ينبوع التطهير والعهد

كان الشيخ متكئاً على عصاه، وهو يراقب الشمس تغيب خلف تلال القدس، محوّلة حجارة السور إلى ألوان العسل والدم. هبت رياح خفيفة، حاملة معها عبق التراب بعد نهار صيفي طويل، وصرير بابه الخشبي الذي يحتاج إلى دهن. في مثل هذا…

يونان ونينوى: نداء التوبة

فَتَحَ يُونَانُ عَيْنَيْهِ عَلَى أُفُقٍ مُتَوَسِّدٍ سَحَابًا رَصَاصِيًّا. لَمْ تَكُنْ رِيحٌ، بَلْ ثِقَلٌ فِي الْهَوَاءِ كَأَنَّهُ يُنَذِرُ بِشَيْءٍ عَظِيمٍ. أَمَامَهُ، بَسَطَتْ نِينَوَى أَكْتَافَهَا الْهَائِلَةَ. لَمْ يَكُنْ قَدْ رَأَى مِثْلَهَا قَطُّ؛ سُورٌ يَصِلُ إِلَى السَّمَاءِ، وَأَبْوَابٌ مِنْ خَشَبِ الأَرْزِ الْغَلِيظِ، يَدْخُلُ…

رؤية دانيال الأخيرة

كان دانيال قد تجاوز زمان الرؤى الأولى، وأصاب بياضٌ شديدُ الوضوح شعر رأسه ولحيته، لكن قلبه بقي كجمرة تحت الرماد، متقداً بشوقٍ واحد: فهمُ ما بقي مُغلقاً من كلام الرب. وكان يقف في غرفته العليا في قصر شوشن، النافذة مفتوحة…

دروس من دمار صور المتغطرسة

كان البحر هادئاً ذلك المساء، كأنما يحتجب عن نذر المصير. وكانت صور، تلك العروس الفينيقية المتغطرسة، جالسة على عرشها من الصخر، تطل على مياه الزرقاء اللامتناهية بثقة المالك الذي لا ينازع. من عَلُ، كانت أسوارها تبدو كقلادة من حجر أبيض،…

سقوط بابل: دينونة الرب

وكانت بابل كالجبل العظيم، القابع في سهول الزمان، ترفع رأسها إلى السماء متحدية. بيوتها من حجر أزرق، وقصورها من ذهب مكلل باللازورد، وجدرانها كالسلاسل الحديدية تحيط بمجدٍ يظن أنه أبدي. في شوارعها الضيقة، حيث الظل يلعب مع ضوء المصابيح، تختلط…

جرّة توفة المحطمة

كان اليوم ثقيلاً كأنما حُمِلَ كل رطوبه وحرارته من غور الأردن وطُوِّقَ به أورشليم. لم يكن حراً عادياً، بل كان كحميمٍ يتصبّب من جدران الحجارة البيضاء، لاصقاً بالجلد، ثقيلاً على الأنفاس. وإرميا، كان صدره يتمزّق من ثقل ما يحمله. لم…

يسّى: حب صامت يغير التاريخ

كان الشارع ضيقاً تعصف فيه رائحة التراب والزيتون القديم، وأنا جالس في ظل حائط متآكل، أتذكر. الذاكرة ثقيلة كحجر الرحى، ولكنها أحياناً تكون كل ما تبقى للإنسان. كان اسمه “يسّى”، أو هكذا كنّا نناديه بيننا، نحن القلة الذين تبعناه في…

رؤيا سقوط بابل

كان الليل ثقيلاً كرداء من رصاص، والريح الحارّة الآتية من البادية تحمل في ثناياها همسات غريبة، كأنها أنفاس آخر الزمان. كنت واقفاً على الشرفة العالية في بيتي بالجزيرة، وقد تسلّل القلق إلى أعماقي كسائل بارد. لم أستطع النوم. كانت النجوم…

حكمة تحت شمس واحدة

كان النهار يلفظ أنفاسه الأخيرة فوق القرية، والغبار الذهبي للغروب يتخلل أوراق أشجار التين القديمة عند مدخل البيت. جلس حنا على مقعد من حجر، كفاه المتشققتان تبدوان كخريطة حياة طويلة. تذكر كيف كان، في صباه، يعدو خلف الريح، يحلم كأن…

نداء الحكمة في أزقة أورشليم

كان النهار يفترق عن جنح الليل، وتنساب خيوط الضباب الرقيقة بين أزقة أورشليم، حين بدأ الصوت يعلو. لم يكن كأصوات الباعة الذين يفرشون بضائعهم مع أولى نبضات الفجر، ولا كصراخ الأطفال المتسابقين إلى مياه النبع. كان نداءً غريباً، رخيماً، كأنه…