في يوم من الأيام، في أرض مصر العظيمة، حيث كان فرعون يحكم بقوة وعظمة، حدثت معجزة عظيمة أظهرت قوة الله وقدرته. كان بنو إسرائيل يعيشون في عبودية قاسية تحت حكم فرعون، الذي رفض مرارًا وتكرارًا أن يطلق سراحهم، على الرغم من طلبات موسى وهارون المتكررة. ولكن الله كان لديه خطة عظيمة لتحرير شعبه، وكانت الضربات التي أرسلها على مصر بمثابة رسائل قوية لفرعون وقومه.
وبعد أن ضرب الله مياه النيل بالدم، وأرسل الضفادع لتملأ الأرض، جاءت الضربة الثالثة، وهي ضربة البعوض. قال الرب لموسى: “قُلْ لِهَارُونَ: مُدَّ عَصَاكَ وَاضْرِبْ تُرَابَ الأَرْضِ، فَيَصِيرَ بَعُوضًا فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ”. ففعل هارون كما أمره الرب، ومد عصاه وضرب تراب الأرض، فانطلق البعوض من التراب كسحابة كثيفة، تغطي كل أرض مصر.
كان البعوض صغيرًا في حجمه، لكنه كان قويًا في تأثيره. دخل البيوت، ولسع البشر والحيوانات، ولم يكن هناك مفر منه. حتى السحرة المصريين، الذين حاولوا تقليد معجزات موسى وهارون، لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا أمام هذه الضربة. اعترفوا لفرعون قائلين: “هذَا أَصْبَعُ اللهِ!” ولكن قلب فرعون كان قاسيًا، ولم يسمع لهم، ولم يطلق سراح بني إسرائيل.
كان البعوض يطن في الهواء، ويلسع كل من يقترب منه. الناس كانوا يصرخون من الألم، والحيوانات كانت تركض هنا وهناك محاولة الهروب من هذه الآفة. البيوت كانت مليئة بالبعوض، حتى أن الناس لم يجدوا راحة في النوم أو في الأكل. الأرض كلها كانت تعاني، ولم يكن هناك مكان في مصر يخلو من هذه الآفة.
ومع ذلك، كان هناك فرق واضح بين أرض مصر وأرض جوشن، حيث كان بنو إسرائيل يعيشون. ففي أرض جوشن، لم يكن هناك بعوض. كان هذا بمثابة علامة واضحة على أن الله يحمي شعبه، وأنه قادر على أن يميز بين المصريين وبني إسرائيل. كان هذا إعلانًا لقوة الله ورعايته لشعبه المختار.
ولكن فرعون، على الرغم من كل هذه الآيات والمعجزات، لم يلن قلبه. بل ازداد عنادًا وتصلبًا. فطلب الله من موسى أن يذهب إليه في الصباح، عندما يخرج إلى النهر، ويقول له: “هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: أَطْلِقْ شَعْبِي لِيَعْبُدُونِي. وَإِنْ كُنْتَ غَيْرَ رَاغِبٍ فِي إِطْلاقِهِمْ، فَهَا أَنَا أُضْرِبُ كُلَّ تُخُومِكَ بِالذُّبَابِ”.
وهكذا، أرسل الله الذباب ليصيب أرض مصر. كان الذباب يطن في الهواء، ويملأ البيوت، ويلتصق بالطعام والشراب. الناس كانوا يصرخون من الاشمئزاز والألم، والحيوانات كانت تعاني أيضًا. ولكن مرة أخرى، كانت أرض جوشن محمية، ولم يكن هناك ذباب في مكان إقامة بني إسرائيل.
ذهب فرعون إلى موسى وهارون وقال لهما: “اذْهَبَا وَاذْبَحَا لإِلهِكُمَا فِي الأَرْضِ”. ولكن موسى أجاب: “لَيْسَ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ نَفْعَلَ، لأَنَّنَا نَذْبَحُ لِلرَّبِّ إِلهِنَا ذَبِيحَةً مَكْرُوهَةً عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ. هَلْ نَذْبَحُ ذَبِيحَةً مَكْرُوهَةً عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ قُدَّامَ عُيُونِهِمْ وَلاَ يَرْجُمُونَنَا؟ نَذْهَبُ فِي الطَّرِيقِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَنَذْبَحُ لِلرَّبِّ إِلهِنَا كَمَا يَقُولُ لَنَا”.
فقال فرعون: “أَنَا أُطْلِقُكُمْ لِتَذْبَحُوا لِلرَّبِّ إِلهِكُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَلكِنْ لاَ تَذْهَبُوا بَعِيدًا. صَلُّوا لأَجْلِي”. فأجاب موسى: “هَا أَنَا أَخْرُجُ مِنْ عِنْدِكَ وَأُصَلِّي إِلَى الرَّبِّ، فَيَرْفَعُ الذُّبَابَ عَنْ فِرْعَوْنَ وَعَبِيدِهِ وَشَعْبِهِ غَدًا. وَلكِنْ لاَ يَعُدْ فِرْعَوْنُ يَخْدَعُ بِإِطْلاقِ الشَّعْبِ لِيَذْبَحُوا لِلرَّبِّ”.
فخرج موسى من عند فرعون وصلى إلى الرب، فرفع الله الذباب عن فرعون وعن عبيده وشعبه. لم يبقَ ذبابة واحدة. ولكن فرعون، مرة أخرى، قسّى قلبه ولم يطلق الشعب.
وهكذا، استمرت المعركة بين قوة الله وعناد فرعون. كل ضربة كانت تظهر قوة الله ورحمته، ولكن فرعون كان يرفض أن يرى الحقيقة. ومع ذلك، كان الله يعمل في كل شيء ليحرر شعبه من العبودية، ويظهر مجده للعالم كله.