الكتاب المقدس

جدعون وانتصار الثلاثمائة: خلاص الله لإسرائيل من المديانيين

في قديم الزمان، عندما كان بنو إسرائيل تحت نير الظلم والاضطهاد من قبل المديانيين، رفعوا أصواتهم إلى الرب طالبين النجاة. وكان الرب قد اختار جدعون، الرجل المتواضع من سبط منسى، ليكون أداة خلاصهم. لكن جدعون، على الرغم من شكوكه، وثق بالرب وبدأ رحلته الإيمانية.

كان المديانيون قد اجتمعوا مع العمالقة وأعدوا جيشًا عظيمًا في وادي يزرعيل، بينما كان جدعون وجنوده معسكرين عند عين حرود. لكن الرب أراد أن يُظهر قوته العظيمة، فقال لجدعون: “الجيش الذي معك كثير جدًا، فلا أُسلم المديانيين بيدهم لئلا يفتخر إسرائيل عليّ قائلين: يدي خلصتني.”

فأمر الرب جدعون أن يعلن للشعب: “من كان خائفًا ورعديدًا فليرجع.” فعاد اثنان وعشرون ألف رجل، وبقي عشرة آلاف. لكن الرب قال لجدعون: “لا يزال الشعب كثيرًا. انزل بهم إلى الماء لأمتحنهم هناك.” فنزل جدعون بالشعب إلى الماء، وكان الرب يراقب.

فقال الرب: “كل من يلحس الماء بلسانه كما يلحس الكلب، فليقف وحده. وكل من يجثو على ركبتيه ليشرب، فليُرجع.” فكان عدد الذين لحسوا الماء بلسانهم ثلاثمئة رجل، بينما عاد الباقون. فقال الرب لجدعون: “بالثلاثمئة الرجل الذين لحسوا أُخلصكم وأُسلم المديانيين بيدك. وأما سائر الشعب فليذهب كل واحد إلى مكانه.”

وهكذا، بقي جدعون مع ثلاثمئة رجل فقط، مسلحين بأباريق وأبواق ومشاعل مخبأة داخل الأباريق. وفي تلك الليلة، قال الرب لجدعون: “قم انزل إلى المعسكر، لأني قد أسلمته بيدك. ولكن إن خفت أن تنزل، فانزل أنت وفيرح خادمك إلى المعسكر، واسمع ما يقولون، فتتشدد وتنزل إلى المعسكر.”

فنزل جدعون وفيرح خادمه إلى حافة المعسكر المدياني. وكان المديانيون والعمالقة منتشرين في الوادي كالجراد، وعدد جمالهم لا يُحصى كالرمل على شاطئ البحر. وعندما اقترب جدعون، سمع رجلًا يحدث صاحبه ويقول: “إني رأيت حلماً، وإذا رغيف شعير يتدحرج إلى معسكر المديانيين، ويأتي إلى الخيمة فيضربها فسقطت، وقلبها إلى فوق فسقطت الخيمة.” فأجاب صاحبه: “هذا ليس إلا سيف جدعون بن يوآش، رجل إسرائيل. قد دفع الله بيده المديانيين وجميع المعسكر.”

فلما سمع جدعون هذا الحلم وتفسيره، سجد للرب وعاد إلى معسكر إسرائيل وقال: “قوموا، لأن الرب قد أسلم معسكر المديانيين بيدكم.” ثم قسم الرجال الثلاثمئة إلى ثلاث فرق، وأعطى كل رجل بوقًا وإبريقًا ومشعلاً داخل الإبريق. وقال لهم: “انظروا إليّ وافعلوا هكذا. إذا وصلت إلى طرف المعسكر، فافعلوا كما أفعل أنا. وعندما أنفخ أنا بالبوق، أنفخوا أنتم أيضًا بالأبواق حول المعسكر كله واهتفوا: ‘للسيف ولجدعون!'”

ففعلوا كما أمر. وفي منتصف الليل، اقتربوا من المعسكر المدياني، ونفخ جدعون وجنوده بالأبواق وكسروا الأباريق، وأشعلوا المشاعل وصرخوا: “للسيف ولجدعون!” فاضطرب المعسكر كله، وهرب المديانيون صارخين. وأرسل الرب روح الفزع بينهم، فبدأوا يضربون بعضهم بعضًا بالسيف ويهربون.

وهكذا، انتصر جدعون والرجال الثلاثمئة بقوة الرب، دون أن يرفعوا سيفًا واحدًا. وتبعهم بنو إسرائيل من نفتالي وأشير ومنسى، وطاردوا المديانيين حتى تخوم الأردن. وأمسكوا بزعمائهم، عُرفة وصَئب، وقتلوهم، وأعادوا السلام إلى أرض إسرائيل.

فشكر جدعون الرب على نصره العظيم، وعرف بنو إسرائيل أن الرب هو الذي يخلص، وليس بقوة الإنسان أو عدده. وهكذا، تمجد اسم الرب في ذلك اليوم، وعاد السلام إلى الأرض لفترة من الزمن.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *