الكتاب المقدس

لقاء أيوب مع الرب في العاصفة: دروس في الإيمان والقوة الإلهية

في البدء، عندما كان أيوب يجلس على كومة الرماد، متألمًا ومحطمًا من كل ما حدث له، كان قلبه مليئًا بالأسئلة. تساءل عن سبب معاناته، وتساءل عن عدل الله في السماء. وفي تلك اللحظة، عندما بدا أن الظلام يلف كل شيء، ظهر الرب نفسه في العاصفة. لم يكن ظهورًا عاديًا، بل كان ظهورًا مهيبًا، مليئًا بالجلال والقوة. بدأت السماء تزمجر، والرياح تعصف، والأرض ترتجف تحت قدميه. ثم خرج صوت الرب من العاصفة، صوت عميق وهادئ، لكنه مليء بالسلطان.

قال الرب: “مَنْ هَذَا الَّذِي يُظْلِمُ الْمَشُورَةَ بِكَلاَمٍ بِلاَ عِلْمٍ؟” (أيوب 38: 2). كان السؤال كالصاعقة التي تهز أيوب من أعماقه. لم يكن الرب يعنف أيوب، بل كان يوجهه إلى الحقيقة الأعمق: أن الإنسان محدود في فهمه، بينما الله هو الخالق العليم بكل شيء.

ثم استمر الرب في الحديث، وبدأ يصف عظمة خلقه. قال: “أَيْنَ كُنْتَ حِينَ أَسَّسْتُ الأَرْضَ؟ أَخْبِرْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ فَهْمٌ!” (أيوب 38: 4). كانت الكلمات تتدفق كأنهار من الحكمة، تصف كيف وضع الرب أساسات الأرض، وكيف حدد لها قياساتها، وكيف ثبتها على أعمدة لا تُرى. كانت السماء والأرض شاهدة على قدرة الله التي تفوق كل فهم.

ثم تحدث الرب عن البحر، ذلك الكائن العظيم الذي يبدو للإنسان وكأنه لا يمكن السيطرة عليه. قال: “مَنْ أَغْلَقَ الْبَحْرَ بِمَصَارِيعَ حِينَ تَفَجَّرَ خَارِجًا مِنَ الرَّحِمِ؟” (أيوب 38: 8). وصف كيف وضع الله للبحر حدودًا، وكيف أمر الأمواج أن تتوقف عند شاطئ معين. كان البحر يزمجر ويهدر، لكنه لا يتعدى الحدود التي رسمها له الرب.

ثم انتقل الرب إلى الحديث عن النور والظلمة، وكيف أنه هو الذي خلق النور وأعطاه اسمه، وهو الذي يتحكم في الظلام ويعرف مسالكه. قال: “هَلْ دَخَلْتَ إِلَى خَزَائِنِ الثَّلْجِ، أَوْ أَبْصَرْتَ خَزَائِنَ الْبَرَدِ؟” (أيوب 38: 22). كان الرب يذكر أيوب بأنه هو الذي يتحكم في الطبيعة، وهو الذي يرسل الثلج والبرد، والمطر والرياح. كل شيء في الكون يخضع لإرادته.

ثم تحدث الرب عن النجوم والكواكب، وكيف أنه هو الذي رتبها في السماء. قال: “هَلْ تَرْفَعُ صَوْتَكَ إِلَى السُّحُبِ لِتَسْقِيكَ وَابِلَ الْمِيَاهِ؟” (أيوب 38: 34). كان الرب يذكر أيوب بأنه هو الذي يرسل المطر ليروي الأرض، وهو الذي يتحكم في البرق والرعد. كل شيء في الكون يعمل وفقًا لمشيئته.

وفي النهاية، قال الرب لأيوب: “هَلْ تُعْطِي الْفَرَسَ قُوَّتَهُ، أَوْ تُلْبِسُ عُنُقَهُ الْهَزِيمَ؟” (أيوب 39: 19). كان الرب يذكر أيوب بأنه هو الذي خلق كل الكائنات الحية، وهو الذي أعطاها قوتها وغرائزها. حتى الحيوانات البرية، مثل الأسد والنمر، تخضع لإرادة الله.

عندما انتهى الرب من حديثه، كان أيوب قد أدرك عظمة الله وقدرته. أدرك أنه كان يتحدث بكلمات بلا علم، وأنه كان يحاول أن يفهم أمورًا تفوق إدراكه. فقال أيوب: “هَا أَنَا قَلِيلٌ. مَاذَا أُجِيبُكَ؟ وَضَعْتُ يَدِي عَلَى فَمِي” (أيوب 40: 4). كان أيوب قد أدرك أنه لا يستطيع أن يتحدى الله أو أن يفهم كل أسراره. كان عليه أن يثق في حكمة الله وعدله، حتى عندما لا يفهم كل شيء.

وهكذا، علم أيوب درسًا عظيمًا: أن الله هو الخالق، وأن الإنسان مخلوق. وأنه حتى في وسط المعاناة، يمكن أن نثق في أن الله يعمل كل شيء لخيرنا. لأن الله هو الذي وضع النجوم في السماء، وهو الذي يتحكم في البحر، وهو الذي يعتني بكل خليقته. وهو الذي يعتني بنا أيضًا، حتى في أصعب الأوقات.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *