في قديم الزمان، في مدينة أورشليم، كان هناك رجل حكيم يدعى الجامعة. كان هذا الرجل قد عاش حياة مليئة بالتجارب والحكمة، وكتب عن دروس الحياة التي تعلمها من خلال تأملاته العميقة. وفي يوم من الأيام، جلس الجامعة تحت شجرة زيتون كبيرة، محاطًا بتلاميذه الذين كانوا يتوقون لسماع حكمته.
بدأ الجامعة يتحدث بصوت هادئ ولكن مليء بالحكمة: “اسمعوا يا أولادي، اسمعوا كلماتي التي أتحدث بها من قلبي. اسمعوا ما يقوله الرب من خلال تجاربي.”
ثم استشهد بكلمات من سفر الجامعة، الإصحاح السابع: “اَلصِّيتُ أَفْضَلُ مِنَ الْعِطْرِ، وَيَوْمُ الْمَوْتِ أَفْضَلُ مِنْ يَوْمِ وِلاَدَتِهِ. الذَّهَابُ إِلَى بَيْتِ النَّوْحِ أَفْضَلُ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى بَيْتِ الْوَلِيمَةِ، لأَنَّ ذَلِكَ نِهَايَةُ كُلِّ إِنْسَانٍ، وَالْحَيُّ يَضَعُهُ فِي قَلْبِهِ.”
توقف الجامعة للحظة، ونظر إلى تلاميذه بعينين مليئتين بالحكمة، ثم واصل: “يا أولادي، اسمعوا جيدًا. الحياة مليئة بالأفراح والأحزان، ولكن الحكمة تكمن في فهم أن كل شيء تحت السماء له وقته. يوم الموت ليس يومًا للخوف، بل هو يوم للتأمل والتفكير في حياتنا. عندما نذهب إلى بيت النوح، نتعلم أن نضع نهاية حياتنا في قلوبنا، ونفكر في كيفية عيشنا.”
ثم أضاف: “الحزن أفضل من الضحك، لأن الحزن يطهر القلب ويجعلنا نفكر في أمور أعمق. الضحك قد يكون سطحيًا، ولكن الحزن يعلمنا دروسًا لا تُنسى.”
وتابع الجامعة: “الغضب الساكن في قلب الأحمق أفضل من الضحك، لأن الغضب قد يكون بداية للتغيير، بينما الضحك قد يكون مجرد هروب من الواقع. لا تسرعوا في الغضب، لأن الغضب يستقر في حضن الجهال.”
ثم أشار إلى شجرة الزيتون وقال: “انظروا إلى هذه الشجرة. هي تتحمل الجفاف والعواصف، ولكنها تظل قوية وتنتج الزيتون. هكذا يجب أن تكون حياتنا. يجب أن نتعلم من الماضي، ولكن لا نعيش فيه. لا تقولوا: ‘لماذا كانت الأيام الماضية أفضل من هذه؟’ لأن هذا السؤال لا يأتي من الحكمة، بل من الجهل.”
وتوقف الجامعة مرة أخرى، ونظر إلى تلاميذه بعينين مليئتين بالرحمة، ثم قال: “الحكمة هي كنز عظيم. هي مثل الدرع الذي يحمينا من أخطار الحياة. الحكمة تحفظ صاحبها، كما تحفظ المال صاحبه. ولكن تذكروا، الحكمة الحقيقية تأتي من خوف الرب. خافوا الرب، واعملوا بحسب وصاياه، لأن هذا هو كل الإنسان.”
ثم أضاف: “انظروا إلى يد الرب في كل شيء. هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي يدبر كل شيء بحسب مشيئته. لا تستطيع أن تفهم كل أعمال الله، ولكن ثقوا أنه يعمل كل شيء لحسن.”
وتابع الجامعة: “لقد رأيت في حياتي الصديق والشرير. رأيت الصديق يموت وهو بار، ورأيت الشرير يعيش طويلاً في شروره. ولكن لا تغتروا، لأن نهاية الشرير ستكون دمارًا. الصديق قد يعاني في هذه الحياة، ولكن نهايته ستكون سلامًا.”
ثم ختم الجامعة كلامه بقوله: “لذلك، يا أولادي، اعملوا بحسب وصايا الرب، وثقوا بحكمته. لا تسعوا وراء الغنى الزائل أو المجد الباطل، بل اسعوا وراء الحكمة والخوف من الرب. لأن هذا هو كل الإنسان.”
وبعد أن أنهى الجامعة كلامه، جلس تلاميذه في صمت، يتأملون في كلماته العميقة. كانت الشمس قد بدأت في الغروب، وأضاءت السماء بألوان ذهبية، وكأنها تبارك الحكمة التي سمعوها. وعرف التلاميذ أن كلمات الجامعة كانت هبة من الله، لتوجيههم في طريق الحياة.
وهكذا، عاد كل تلميذ إلى بيته، حاملاً في قلبه دروسًا جديدة عن الحياة والحكمة، ومستعدًا لتطبيقها في حياته اليومية. وكان الجامعة يعلم أن كلماته ستظل تتردد في قلوب تلاميذه، وتوجههم في طريق الرب إلى الأبد.