الكتاب المقدس

إرميا النبي: كلمات الرجاء والتحذير من قلب جاف

في الأيام التي سبقت سقوط أورشليم، كان النبي إرميا واقفًا على تلة خارج المدينة، ينظر إلى الشعب الذي كان يعيش في ظل الخطيئة والتمرد ضد الله. كانت الشمس تشرق ببطء، ملقيةً أشعتها الذهبية على الحقول الخضراء والوديان الممتدة. لكن قلب إرميا كان مثقلًا بالحزن، لأنه رأى ما لا يراه الآخرون: قلوبًا قاسية، وأرواحًا بعيدة عن الله.

بدأ إرميا يتكلم بكلمات الله، وصوته يتردد كالرعد في السماء الصافية: “مَلْعُونٌ الرَّجُلُ الَّذِي يَتَّكِلُ عَلَى الإِنْسَانِ، وَيَجْعَلُ الْبَشَرَ سَنَادَهُ، وَعَنْ الرَّبِّ يَحِيدُ قَلْبُهُ.” كانت كلماته تخرج بقوة، وكأنها سيف يقطع الهواء. كان يتحدث عن أولئك الذين يضعون ثقتهم في القوة البشرية، في الحكام والأسلحة والثروات، وينسون الله، مصدر كل بركة وحماية.

ثم استدار إرميا نحو الصحراء القاحلة، حيث كانت الأرض جافة ومتشققة، ولا حياة فيها. قال: “فَإِنَّهُ يَكُونُ كَالْعَرْعَرِ فِي الْبَرِّيَّةِ، لاَ يَرَى إِذَا جَاءَ الْخَيْرُ، بَلْ يَسْكُنُ فِي الأَرْضِ الْمَحْرُوقَةِ فِي الْبَرِّيَّةِ، فِي أَرْضِ الْمِلْحِ غَيْرِ الْمَعْمُورَةِ.” كانت صورته قاسية، لكنها صادقة. أولئك الذين يبتعدون عن الله يصبحون مثل الشجرة الجافة في الصحراء، بلا جذور عميقة، بلا ماء، بلا حياة.

لكن إرميا لم يتركهم بلا أمل. تحول نحو نهرٍ جارٍ، حيث كانت الأشجار خضراء مورقة، وأوراقها لا تذبل. قال بصوتٍ ناعمٍ مليءٍ بالرحمة: “مُبَارَكٌ الرَّجُلُ الَّذِي يَتَّكِلُ عَلَى الرَّبِّ، وَكَانَ الرَّبُّ مُتَّكَلَهُ. فَإِنَّهُ يَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عَلَى الْمِيَاهِ، وَعَلَى نَهْرٍ تَمُدُّ أَصْلَهَا، فَلاَ تَرَى إِذَا جَاءَ الْحَرُّ، بَلْ يَكُونُ وَرَقُهَا أَخْضَرَ، وَفِي سَنَةِ الْقَحْطِ لاَ تَفْزَعُ، وَلاَ تَكُفُّ عَنْ إِثْمَارِ الثَّمَرِ.”

كانت الكلمات تتدفق كالماء العذب، تلمس قلوبًا قليلة كانت لا تزال تسمع صوت الله. أولئك الذين يثقون بالرب، الذين يزرعون جذورهم في كلمته، سيكونون مثل الشجرة القوية، التي لا تهزها العواصف، ولا تجففها حرارة الشمس. سيظلون مثمرين حتى في أصعب الأوقات، لأن حياتهم متجذرة في الله.

ثم أخذ إرميا نفسًا عميقًا، وعيناه تلمعان بالحزن والجدية. قال: “اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ نَجِيسٌ، مَنْ يَعْرِفُهُ؟ أَنَا الرَّبُّ فَاحِصُ الْقَلْبِ مُخْتَبِرُ الْكُلَى، لأُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ طُرُقِهِ، حَسَبَ ثَمَرِ أَعْمَالِهِ.” كانت كلماته تذكر الشعب بأن الله يعرف قلوبهم، وأنه لا يمكن إخفاء شيء عنه. هو الذي يفحص النيات والأفكار، وسيجازي كل إنسان حسب أعماله.

في تلك اللحظة، شعر إرميا بثقل المسؤولية. كان يعلم أن الكثيرين لن يستمعوا، وأن قلوبهم ستظل قاسية. لكنه واصل الدعوة، لأنه كان يعلم أن كلمة الله هي الوحيدة التي يمكنها أن تحيي الموتى، وتجعل القلوب الجافة تزهر من جديد.

وهكذا وقف إرميا، النبي الأمين، ينقل رسالة الله إلى شعبٍ عنيد. كانت كلماته كالنار تحرق، وكالماء تنعش. وكانت دعوته واضحة: “ارجعوا إلى الرب، اثقوا به، واغرسوا جذوركم في كلمته، فتكونوا مثل الشجرة المثمرة، التي لا تهزمها العواصف.”

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *