الكتاب المقدس

مزمور 60: قصة ثقة داود في خلاص الله وسط الضيق

في الأيام القديمة، عندما كانت مملكة إسرائيل تمر بفترات من الضيق والانقسام، كتب داود النبي والملك مزمورًا يعبر فيه عن حزن قلبه وتضرعه إلى الله. كان هذا المزمور، المزمور الستون، صلاة مليئة بالثقة في الله وسط الأوقات الصعبة. دعونا نتعمق في قصة هذا المزمور، ونرى كيف يمكن أن تكون الأحداث قد تطورت في ذلك الزمان.

كانت الأرض ترتعش تحت أقدام شعب إسرائيل. لقد انتصر داود على الأعداء مرات عديدة، ولكن في إحدى المعارك، شعر الشعب بالهزيمة وكأن الله قد تركهم. كانت هناك حروب طاحنة مع الآراميين في الشمال والآدوميين في الجنوب، وكانت الخسائر فادحة. بدا وكأن الأرض نفسها قد انشقت تحت أقدامهم، وكأن السماء قد أطبقت عليهم بظلام كثيف.

وفي تلك الأثناء، وقف داود في خيمة الاجتماع، حيث كان تابوت العهد يشع بمجد الله. رفع عينيه إلى السماء وصاح من أعماق قلبه: “يارب، لقد رفضتنا وحطمتنا! لقد غضبت علينا، فأعدنا إلى الحق! لقد جعلت الأرض ترتعد وتتشقق. أصلح ما انكسر فيها، لأنها تتزعزع!”

كانت كلمات داود تعكس حالة الشعب بأكملها. لقد شعروا أن الله قد ابتعد عنهم بسبب خطاياهم، وأن غضبه قد حل عليهم. ولكن داود، الرجل الذي عرف قلب الله، لم يفقد الأمل. كان يعلم أن الله، حتى في غضبه، يبقى إله الرحمة والخلاص.

ثم تذكر داود وعود الله القديمة. لقد أعطى الله أرضًا لشعب إسرائيل، وأقام لهم ملكًا ليحكمهم بالعدل. فرفع داود صوته مرة أخرى وقال: “لقد أعطيت الذين يخافونك راية ترفع بسبب الحق. لكي ينجو أحباؤك، خلص بيمينك واستجب لي!”

وفي تلك اللحظة، شعر داود بقوة الله تحيط به. لقد أدرك أن الله، حتى في وسط الضيق، كان يعمل لصالح شعبه. فبدأ يتكلم بكلمات النصرة، قائلًا: “الله تكلم في قدسه، فأبتهج. أقسم شكيم وأقيس وادي سكوت. لي جلعاد ولي منسى، وأفرايم خوذة رأسي، ويهوذا صولجاني. موآب مغسلتي، وعلى أدوم ألقي حذائي، وفلسطين اهتف بي!”

كانت هذه الكلمات تعبيرًا عن ثقة داود في أن الله سيعيد له ولشعبه كل ما فقدوه. لقد رأى بعين الإيمان أن الله سيعيد توحيد المملكة، وسيُخضع كل الأعداء تحت أقدامهم. لقد كان يتكلم عن نصرة مستقبلية، حيث سيحكم الله على كل الأمم، وسيُظهر مجده للعالم أجمع.

ولكن داود، وهو الرجل الواقعي، كان يعلم أن النصرة لن تأتي بدون معركة. فسأل الله: “من سيأخذني إلى المدينة المحصنة؟ من سيذهب بي إلى أدوم؟” كان يعلم أن أدوم، ذلك العدو القوي، لن يسقط بسهولة. ولكن إيمانه بالله جعله يتحدى المستحيل. فأجاب نفسه: “ألست أنت يا الله الذي رفضتنا؟ ألست أنت يا الله الذي لا تخرج مع جيوشنا؟ أعطنا عونًا ضد العدو، لأن خلاص الإنسان باطل. بالله نصنع البأس، وهو يدوس أعداءنا.”

وهكذا، خرج داود بجيشه، واثقًا في قوة الله. لقد كان يعلم أن المعركة ليست لهم، بل للرب. وعندما وصلوا إلى ساحة القتال، رأوا بأعينهم كيف أن الله حارب عنهم. لقد سقط الأعداء واحدًا تلو الآخر، وانتصر شعب إسرائيل نصرًا عظيمًا.

وعندما عاد داود إلى أورشليم، رفع صوته مرة أخرى في تسبيح، قائلًا: “الحمد لله الذي يقودنا إلى النصرة! الحمد لله الذي يعيدنا إلى الحق! لقد رأينا قوته وعظمته، ولن ننسى أبدًا كيف خلصنا من الضيق.”

وهكذا، أصبح مزمور الستون تذكارًا لقوة الله وأمانته. لقد علّم داود شعبه أن يثقوا في الله حتى في أحلك الأوقات، لأن الله لا يترك شعبه أبدًا. وهو نفسه الذي رفضهم في البداية، هو الذي أعادهم وخلّصهم في النهاية.

وهكذا، نرى في قصة مزمور 60 كيف أن الله، حتى في وسط الضيق، يبقى إله الخلاص. لقد علّم داود شعبه أن يرفعوا عيونهم إلى الله، لأن النصرة الحقيقية تأتي منه وحده. وهذه الرسالة تبقى صحيحة حتى اليوم، لجميع الذين يثقون في الله وسط التجارب.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *