في الأيام التي سبقت سقوط أورشليم، كان الرب قد دعا إرميا النبي ليريه رسالةً قويةً من خلال صورة بسيطة لكنها عميقة. فخرج إرميا من المدينة متجهاً نحو بيت الفخاري، حيث كان يعمل صانع الفخار بجدٍ وصبر. كان الهواء محملاً برائحة الطين الرطب، والشمس تلمع على الأواني التي كانت تجف ببطء تحت أشعتها.
دخل إرميا إلى الورشة، ورأى الفخاري جالساً أمام دولابه، يدور بقدميه بانتظام بينما يداه تعملان ببراعة على كتلة من الطين. كانت عينا الفخاري مركزتين على العمل، وكأنه ينحت شيئاً ثميناً. بدأ الطين يأخذ شكلاً تحت يديه، ولكن فجأة، حدث شيء غير متوقع. انحرف الطين عن الشكل الذي كان الفخاري يريده، فلم يعد مناسباً للإناء الذي كان يصنعه.
لكن الفخاري لم ييأس. بدلاً من أن يرمي الطين جانباً، أعاد تشكيله من جديد. ضغط عليه بيديه بحنان وقوة، وأعاد تدويره على الدولاب حتى صار إناءً آخر، كما رأى مناسباً. كان الفخاري يعرف بالضبط ما يريد أن يصنعه، ولم يكن الطين سوى مادة في يديه.
وقف إرميا مذهولاً، وفهم أن الرب أراد أن يعلمه درساً من خلال هذه الصورة. فبدأ الرب يكلمه قائلاً: “أما تستطيع أن أفعل بكم يا بيت إسرائيل مثل هذا الفخاري؟ هوذا كالطين بيد الفخاري، أنتم بيدي يا بيت إسرائيل.”
كانت كلمات الرب قوية وواضحة. فكما أن الفخاري لديه السلطة على الطين ليصنع منه ما يشاء، هكذا الرب لديه السلطة على شعبه ليصنع بهم ما يريد. إن كانوا يطيعونه ويتبعون وصاياه، فإنه سيباركهم ويجعلهم أمة عظيمة. ولكن إن تمردوا وعصوا، فإنه سيغير خطته لهم، تماماً كما غير الفخاري شكل الإناء.
ثم تابع الرب كلامه لإرميا: “في أي وقت أتكلم على أمة أو مملكة أن اقتلعها وأهدمها وأبيدها، فإن تلك الأمة ترجع عن شرها، فأندم عن الشر الذي قصدت أن أصنعه بها. وفي أي وقت أتكلم على أمة أو مملكة أن أبنيها وأغرسها، فإنها تعمل الشر في عيني فلا تسمع لصوتي، فأندم عن الخير الذي قلت إني أحسن إليها به.”
كانت الرسالة واضحة: مصير الأمم والشعوب يعتمد على استجابتهم لصوت الرب. إن تابوا ورجعوا إليه، فإنه يغفر لهم ويعيد بناءهم. ولكن إن استمروا في الشر والتمرد، فإنه سيحكم عليهم بالدينونة.
خرج إرميا من بيت الفخاري وهو يحمل هذه الرسالة الثقيلة في قلبه. عاد إلى أورشليم ليواجه الشعب والرؤساء بكلمات الرب. بدأ يكرز قائلاً: “هكذا يقول الرب: انظروا، أنا أعد لكم شراً وأفكر فيكم فكراً. فارجعوا كل واحد عن طريقه الرديء، وأصلحوا طرقكم وأعمالكم.”
لكن قلوب الشعب كانت قاسية، وآذانهم مغلقة. رفضوا أن يسمعوا لكلمات الرب التي نقلها إرميا، واستمروا في خطاياهم وعبادة الأصنام. حتى الرؤساء والكهنة سخروا من إرميا، وقالوا: “لن نسمع لكلامك. سنستمر في حياتنا كما نريد.”
كان إرميا حزيناً جداً، لأنه عرف أن دينونة الرب ستأتي لا محالة. لكنه واصل الصلاة من أجل الشعب، طالباً من الرب أن يمنحهم فرصة للتوبة. ومع ذلك، كانت قلوبهم متمردة، وعيونهم عمياء عن الحق.
وهكذا، أصبح بيت إسرائيل كالطين العاصي في يد الفخاري. لقد رفضوا أن يتشكلوا حسب إرادة الرب، فكانت النتيجة أنهم تحطموا تحت دينونته. لكن الرب، في رحمته، كان دائماً يترك باب التوبة مفتوحاً لمن يريد أن يرجع إليه.
هذه القصة تذكرنا بأننا كالطين في يد الفخاري، والرب هو الصانع الحكيم الذي يعرف ما هو الأفضل لنا. علينا أن نستسلم ليديه، ونسمع لصوته، حتى يصوّرنا حسب مشيئته الصالحة. وإن أخطأنا، فإن رحمته تظل مفتوحة للتوبة والرجوع إليه.