في قَديمِ الزَّمان، في مَدينَةٍ تَزْدَهِرُ بالحِكْمَةِ والمَعْرِفَةِ، كَانَ يُوجَدُ شَابٌّ فَتيٌّ يَسْعَى لِفَهْمِ طُرُقِ الرَّبِّ. وَكَانَ لِهَذا الشَّابِّ أَبٌ حَكيمٌ، يَعْلَمُ أَنَّ الحَيَاةَ مَلِيئَةٌ بِالفِتَنِ وَالمَخَاطِرِ، فَجَلَسَ مَعَهُ يَوْمًا لِيُعَلِّمَهُ دُرُوسًا عَمِيقَةً عَنْ أَهَمِّيَّةِ الحِكْمَةِ وَتَجَنُّبِ الشَّرِّ.
قَالَ الأَبُ لِابْنِهِ: “يَا بُنَيَّ، احْفَظْ كَلِمَاتِي وَخُذْ بِوَصَايَايَ. اجْعَلْهَا كَحِجَابٍ لِعَيْنَيْكَ، وَكَنُورٍ يَهْدِي قَلْبَكَ. فَالحِكْمَةُ هِيَ أَمَانُكَ مِنَ الشَّرِّ، وَالنُّورُ الَّذِي يُنِيرُ دَرْبَكَ.”
ثُمَّ أَخَذَ الأَبُ يُحَذِّرُهُ مِنَ المَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ، الَّتِي تَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ مُلَقٍّ وَتَسْتَخْدِمُ مَظْهَرَهَا لِتَغْوِيَةِ القُلُوبِ. قَالَ: “يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ أَنْ تَنْخَدِعَ بِجَمَالِهَا أَوْ تَسْتَسْلِمَ لِكَلامِهَا العَذْبِ. فَهِيَ كَالفَخِّ الَّذِي يَنْصِبُهُ الصَّيَّادُ لِلطَّيْرِ، وَكَالشَّبَكَةِ الَّتِي تَصْطَادُ النُّفُوسَ الضَّعِيفَةَ.”
وَصَفَ الأَبُ لِابْنِهِ مَشْهَدًا حَيًّا، كَأَنَّهُ يَرَاهُ بِعَيْنَيْهِ: “فِي اللَّيْلِ، عِنْدَمَا يَغْشَى الظَّلامُ الأَرْضَ، تَخْرُجُ هَذِهِ المَرْأَةُ بِمَظْهَرٍ بَهِيٍّ، تَلْبَسُ ثِيَابًا مُزَيَّنَةً بِالعِطْرِ وَالحُلِيِّ. تَقِفُ فِي زَاوِيَةِ الشَّارِعِ، تَنْتَظِرُ مَنْ يَمُرُّ بِهَا. وَإِذَا رَأَتْ شَابًّا سَاذِجًا، تَتَقَدَّمُ نَحْوَهُ بِوُدٍّ زَائِفٍ، وَتَقُولُ لَهُ: ‘قَدَّمْتُ ذَبِيحَةَ سَلامٍ، وَاليَوْمَ أَخْرَجْتُ نَصِيبِي. لِذَلِكَ خَرَجْتُ لِأَلْتَقِيَ بِكَ، وَأَنْتَظِرُكَ بِشَوْقٍ.'”
وَتَسْتَمِرُّ المَرْأَةُ فِي كَلامِهَا، مُحَاوِلَةً إِقْنَاعَهُ بِأَنَّ زَوْجَهَا غَائِبٌ، وَأَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ فِي رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ، وَأَنَّهُ لَنْ يَعُودَ قَرِيبًا. وَتَعِدُهُ بِأَمْسِيَةٍ مُمْتِعَةٍ، مَلِيئَةٍ بِالمُتْعَةِ وَاللَّذَّةِ. “هَيَّا بِنَا، لِنَمْتَلِئَ حُبًّا حَتَّى الصَّبَاحِ، وَنَتَلَذَّذَ بِالوُدِّ. فَالزَّوْجُ غَائِبٌ، وَقَدْ أَخَذَ مَعَهُ كِيسَ المَالِ، وَلَنْ يَعُودَ إِلَى بَيْتِهِ إِلَّا بَعْدَ أَسْبُوعٍ.”
وَكَأَنَّ الأَبَ يَرَى ابْنَهُ يَنْجَرِفُ وَرَاءَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ، فَأَكْمَلَ قَائِلًا: “يَا بُنَيَّ، لَا تَنْخَدِعْ بِهَذِهِ الكَلِمَاتِ. فَهِيَ تَجُرُّكَ إِلَى الهَلاكِ، وَتَدْفَعُكَ إِلَى المَوْتِ. إِنَّهَا كَالسَّفِينَةِ الَّتِي تَغْرَقُ فِي البَحْرِ، أَوْ كَالطَّيْرِ الَّذِي يَسْقُطُ فِي الفَخِّ. لَا تَسْلُكْ فِي طَرِيقِهَا، وَلَا تَقْتَرِبْ مِنْ بَابِ بَيْتِهَا، لِئَلَّا تُسْلِمَ رُوحَكَ لِلْهَلاكِ، وَحَيَاتَكَ لِلْفَنَاءِ.”
ثُمَّ خَتَمَ الأَبُ كَلَامَهُ بِتَحْذِيرٍ قَوِيٍّ: “طُرُقُهَا تَؤُولُ إِلَى المَوْتِ، وَسُبُلُهَا تَقُودُ إِلَى الجَحِيمِ. لِذَلِكَ، يَا بُنَيَّ، اسْمَعْ لِكَلِمَاتِي، وَلاَ تَحِدْ عَنْ طَرِيقِ الحِكْمَةِ. فَالحِكْمَةُ هِيَ الَّتِي تُنْقِذُكَ مِنَ الشَّرِّ، وَتُبْقِيكَ فِي أَمَانِ الرَّبِّ.”
وَهَكَذَا، تَعَلَّمَ الشَّابُّ أَنَّ الحِكْمَةَ هِيَ السَّلاحُ الأَقْوَى لِمُوَاجَهَةِ فِتَنِ الحَيَاةِ، وَأَنَّ طَرِيقَ الرَّبِّ هُوَ الطَّرِيقُ الأَمِينُ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. فَعَزَمَ أَنْ يَحْفَظَ كَلِمَاتِ أَبِيهِ فِي قَلْبِهِ، وَأَنْ يَسْلُكَ فِي طَرِيقِ البِرِّ وَالحَقِّ، مُتَجَنِّبًا كُلَّ مَا يُبْعِدُهُ عَنْ مَحَبَّةِ الرَّبِّ.