الكتاب المقدس

رحلة الخلق والرحمة الإلهية من البدء إلى الفداء

بِسْمِ الآبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، الإِلَهِ الْوَاحِدِ. آمِينَ.

فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، حِينَ كَانَتِ الْأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، كَانَتْ رُوحُ اللهِ تَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ. وَفِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الْأُولَى، أَرَادَ الرَّبُّ أَنْ يَخْلُقَ عَالَمًا يَمْتَلِئُ بِالْحَيَاةِ وَالنُّورِ. فَقَالَ: “لِيَكُنْ نُورٌ”، فَكَانَ نُورٌ. وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ. هَذَا هُوَ بَدْءُ الْخَلِيقَةِ، وَبَدْءُ رَحْمَةِ اللهِ الَّتِي تَدُومُ إِلَى الْأَبَدِ.

وَفِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْخَلِيقَةِ، كَانَ اللهُ يُظْهِرُ رَحْمَتَهُ وَقُدْرَتَهُ. فَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَصَلَ بَيْنَ الْمِيَاهِ الَّتِي تَحْتَ الْجَلَدِ وَالْمِيَاهِ الَّتِي فَوْقَ الْجَلَدِ، وَسَمَّى الْجَلَدَ سَمَاءً. وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، جَمَعَ الْمِيَاهَ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ، فَظَهَرَ الْيَابِسُ. وَأَمَرَ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ عُشْبًا وَشَجَرًا مُثْمِرًا. وَرَأَى اللهُ أَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ. هَكَذَا أَرَانَا اللهُ أَنَّ رَحْمَتَهُ تَظْهَرُ فِي كُلِّ خَلِيقَةٍ.

وَفِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، خَلَقَ اللهُ النُّجُومَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لِتَحْكُمَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَفِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ، خَلَقَ الْحَيَوَانَاتِ الْبَحْرِيَّةَ وَالطُّيُورَ الَّتِي تَطِيرُ فِي الْجَوِّ. وَفِي الْيَوْمِ السَّادِسِ، خَلَقَ الْحَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةَ وَالْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ وَمِثَالِهِ. وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا خَلَقَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا. هَكَذَا أَكْمَلَ اللهُ الْخَلِيقَةَ بِرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ.

وَلَكِنَّ قِصَّةَ رَحْمَةِ اللهِ لَمْ تَنْتَهِ هُنَا. فَعِنْدَمَا أَخْطَأَ آدَمُ وَحَوَّاءُ وَعَصَيَا اللهَ، لَمْ يَتْرُكْهُمَا لِيَهْلِكَا. بَلْ وَعَدَهُمَا بِمُخَلِّصٍ يَأْتِي مِنْ نَسْلِ الْمَرْأَةِ لِيَسْحَقَ رَأْسَ الْحَيَّةِ. هَذِهِ هِيَ رَحْمَةُ اللهِ الَّتِي تَتَجَاوَزُ خَطَايَانَا وَتَعِدُنَا بِالْفِدَاءِ.

وَمَعَ مُرُورِ الْأَجْيَالِ، اسْتَمَرَّتْ رَحْمَةُ اللهِ تَظْهَرُ فِي حَيَاةِ شَعْبِهِ. فَعِنْدَمَا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَبِيدًا فِي مِصْرَ، سَمِعَ اللهُ صُرَاخَهُمْ وَأَرْسَلَ مُوسَى لِيُخَلِّصَهُمْ. وَبِقُوَّةِ اللهِ، أَجْرَى مُوسَى مُعْجِزَاتٍ عَظِيمَةً، مِنْهَا تَحْوِيلُ الْعَصَا إِلَى حَيَّةٍ، وَضَرْبُ مِيَاهِ النِّيلِ فَصَارَتْ دَمًا، وَإِنْزَالُ الضَّرَبَاتِ عَلَى مِصْرَ. وَفِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ، حِينَ مَرَّ مَلَاكُ الْمَوْتِ عَلَى بُيُوتِ الْمِصْرِيِّينَ، عَبَرَ عَنْ بُيُوتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي رُشَّتْ بِدَمِ الْخَرُوفِ. هَذِهِ هِيَ رَحْمَةُ اللهِ الَّتِي تَحْمِي شَعْبَهُ مِنَ الْهَلَاكِ.

وَعِنْدَمَا وَقَفَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَمَامَ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ، وَجَيْشُ فِرْعَوْنَ يَلْحَقُ بِهِمْ، أَظْهَرَ اللهُ رَحْمَتَهُ وَقُدْرَتَهُ. فَأَمَرَ مُوسَى أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ عَلَى الْبَحْرِ، فَانْشَقَّ الْمَاءُ وَصَارَ يَابِسَةً. وَمَشَى بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ عَلَى الْيَابِسَةِ، وَالْمَاءُ سُورٌ عَنْ يَمِينِهِمْ وَعَنْ يَسَارِهِمْ. وَلَمَّا دَخَلَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ وَرَاءَهُمْ، أَمَرَ اللهُ الْمِيَاهَ أَنْ تَعُودَ فَغَمَرَتْهُمْ. هَكَذَا أَنْقَذَ اللهُ شَعْبَهُ بِرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ.

وَفِي الْبَرِّيَّةِ، اسْتَمَرَّتْ رَحْمَةُ اللهِ تَعْتَنِي بِبَنِي إِسْرَائِيلَ. فَأَنْزَلَ لَهُمُ الْمَنَّ مِنَ السَّمَاءِ لِيَأْكُلُوا، وَأَخْرَجَ لَهُمُ الْمَاءَ مِنَ الصَّخْرَةِ لِيَشْرَبُوا. وَعَلَّمَهُمْ طَرِيقَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ. وَلَكِنَّهُمْ كَثِيرًا مَا تَذَمَّرُوا وَعَصَوْا، فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْعِقَابَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهُمْ أَبَدًا. بَلْ كَانَ دَائِمًا يَرْحَمُهُمْ وَيُعِيدُهُمْ إِلَيْهِ. هَذِهِ هِيَ رَحْمَةُ اللهِ الَّتِي لَا تَنْتَهِي.

وَعِنْدَمَا دَخَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَرْضَ الْمَوْعِدِ، أَعْطَاهُمُ اللهُ الْأَرْضَ الَّتِي وَعَدَ بِهَا لِآبَائِهِمْ. وَقَادَهُمْ فِي حُرُوبِهِمْ ضِدَّ الْأُمَمِ الْعَظِيمَةِ، وَأَعْطَاهُمُ النَّصْرَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ. هَكَذَا أَرَانَا اللهُ أَنَّ رَحْمَتَهُ تَظْهَرُ فِي تَحْقِيقِ وَعْدِهِ.

وَفِي الْأَزْمِنَةِ الْأَخِيرَةِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ الْوَحِيدَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ لِيَكُونَ مُخَلِّصًا لِلْعَالَمِ. فَبِفِدَائِهِ عَلَى الصَّلِيبِ، غَفَرَ اللهُ لِخَطَايَانَا وَأَعْطَانَا الْحَيَاةَ الْأَبَدِيَّةَ. هَذِهِ هِيَ أَعْظَمُ رَحْمَةٍ أَظْهَرَهَا اللهُ لِلْبَشَرِيَّةِ.

فَلْنُسَبِّحِ الرَّبَّ لأَنَّهُ صَالِحٌ، لأَنَّ رَحْمَتَهُ تَدُومُ إِلَى الأَبَدِ. وَلْنَشْكُرْهُ عَلَى كُلِّ مَا فَعَلَهُ مِنْ أَجْلِنَا، فَهُوَ الْخَالِقُ الْعَظِيمُ، وَالْمُخَلِّصُ الرَّحِيمُ، وَالْمَلِكُ الْأَبَدِيُّ. آمِينَ.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *