في الأيام التي سُبي فيها شعب يهوذا إلى بابل، أرسل الله النبي إرميا برسالة إلى المسبيين. كانت تلك الأيام أيامًا صعبة، حيث كان الشعب يعيش في أرض غريبة، بعيدًا عن أرض الموعد، بعيدًا عن الهيكل المقدس، وبعيدًا عن كل ما كانوا يعرفونه. لكن الله لم ينسَهم، بل أعد لهم خطة ورجاء.
جلس إرميا في أورشليم، وكتب رسالة طويلة إلى الشيوخ والكهنة والأنبياء وجميع الشعب الذين سباهم نبوخذنصر ملك بابل من أورشليم إلى بابل. كانت الرسالة تحمل كلمات من قلب الله، كلمات مليئة بالتعزية والتوجيه.
بدأت الرسالة بقول الرب: “هكذا قال رب الجنود، إله إسرائيل، لجميع المسبيين الذين سبيتهم من أورشليم إلى بابل: ابنوا بيوتًا واسكنوا، واغرسوا جناتٍ وكلوا ثمرها. تزوجوا وأولدوا بنين وبنات، وخذوا لبنيكم زوجاتٍ، وبناتكم أعطوا لرجالٍ، فيلدن بنين وبناتٍ، وتكثروا هناك ولا تقلوا.”
كانت هذه الكلمات غريبة على آذان المسبيين. لقد اعتقدوا أن السبي سيكون قصيرًا، وأن الله سينقذهم قريبًا ويعيدهم إلى أرضهم. لكن الله كان يخبرهم أن يستقروا في بابل، لأن السبي لن يكون قصيرًا. كان عليهم أن يعيشوا حياتهم بشكل طبيعي، بل وأن يبنوا ويغرسوا ويتزوجوا. كان الله يريدهم أن يثبتوا في الإيمان حتى في أرض الغربة.
ثم تابع الرب: “اطلبوا سلام المدينة التي سبيتكم إليها، وصلوا لأجلها إلى الرب، لأن بسلامها يكون لكم سلام.” كانت هذه الكلمات تحمل حكمة عظيمة. فبدلًا من أن يتمردوا أو يكرهوا بابل، كان عليهم أن يصلوا لأجلها ويطلبوا سلامها. لأن سلام المدينة التي يعيشون فيها سيكون سلامًا لهم أيضًا. كان الله يعلمهم أن يكونوا نورًا في الظلمة، وأن يشهدوا له حتى في أرض السبي.
ثم جاءت الكلمات التي حملت الرجاء: “لأنه هكذا قال الرب: إنه عند تمام سبعين سنة لِبابل، سأفتقدكم وأقيم لكم كلامي الصالح برجوعكم إلى هذا المكان.” كانت هذه النبوة بمثابة نور في نهاية النفق. فبالرغم من أن السبي سيستمر لسبعين سنة، إلا أن الله وعد بأنه سيعيدهم إلى أرضهم. كان هذا الوعد بمثابة تأكيد على أن الله لم ينسَ عهده مع شعبه، وأن خطته لهم كانت لخيرهم.
ثم تابع الرب كلامه قائلًا: “لأني أنا عارف الأفكار التي أنا مفتكر بها عنكم، يقول الرب، أفكار سلام لا شر، لأعطيكم آخرة ورجاء.” كانت هذه الكلمات تذكيرًا بأن أفكار الله لشعبه كانت دائمًا أفكار سلام ورجاء، حتى في أصعب الأوقات. كان الله يعمل في الخفاء، ويعد لهم مستقبلًا مشرقًا.
ثم جاءت الكلمات التي تحمل دعوة للتوكل على الله: “تدعونني فتأتون وتصلون إليّ فأسمع لكم. فتطلبونني فتجدونني إذ تطلبونني بكل قلبكم.” كان الله يريد من شعبه أن يعودوا إليه بكل قلوبهم، وأن يثقوا به في كل الظروف. كان يعدهم بأنه سيسمع لهم عندما يصلون، وسيكون معهم عندما يبحثون عنه بإخلاص.
ثم ختم الرب رسالته بقوله: “وأرد سبيكم وأجمعكم من جميع الأمم ومن جميع الأماكن التي طردتكم إليها، يقول الرب، وأردكم إلى المكان الذي سبيتكم منه.” كانت هذه الكلمات بمثابة ختم للوعد الإلهي. فبالرغم من أنهم كانوا مشتتين في أرض غريبة، إلا أن الله وعد بأنه سيجمعهم ويعيدهم إلى أرضهم.
عندما وصلت الرسالة إلى المسبيين في بابل، قرأوها بتدقيق. بعضهم شعر بالارتياح لأن الله كان معهم حتى في السبي، والبعض الآخر شعر بالحزن لأن السبي سيستمر لسبعين سنة. لكن الجميع فهموا أن الله كان يعمل في حياتهم، وأن خطته كانت لخيرهم.
وهكذا، عاش المسبيون في بابل، وبنوا بيوتًا، واغرسوا جناتٍ، وتزوجوا وأولدوا بنين وبنات. وصاروا يصلون لأجل سلام المدينة التي سُبوا إليها، وانتظروا بثقة تحقيق وعد الله. وكان الله أمينًا، فبعد سبعين سنة، أعادهم إلى أرضهم، كما وعد.
هكذا كانت رسالة إرميا تذكيرًا بأن الله يعمل دائمًا لخير شعبه، حتى في أصعب الأوقات. وكانت أيضًا تذكيرًا بأن أفكاره لنا هي أفكار سلام ورجاء، إذا كنا نثق به ونطلب