الكتاب المقدس

حزقيا وإشعياء: الثقة في الرب تنقذ أورشليم

في الأيام التي كانت فيها مملكة يهوذا تحت تهديد جيوش الأشوريين، كان الشعب يعيش في خوف وقلق. وكان الملك حزقيا، الذي حكم بأمانة وعدل، يواجه قرارًا صعبًا: هل يثق في قوة البشر ويطلب المساعدة من مصر، أم يضع ثقته الكاملة في الرب؟

وفي تلك الأيام، جاء النبي إشعياء إلى أورشليم حاملًا كلمة الرب إلى الملك والشعب. كان إشعياء رجلًا تقيًا، مملوءًا بروح الله، وكان يعرف أن الرب وحده هو الملجأ الحقيقي في وقت الضيق. فوقف أمام الملك حزقيا وكبار القادة وقال:

“هكذا يقول الرب: ويل للذين ينزلون إلى مصر للمعونة، ويعتمدون على الخيل، ويتكلون على مركبات لأنها كثيرة، وعلى الفرسان لأنهم أقوياء جدًا، ولكنهم لا ينظرون إلى قدوس إسرائيل ولا يطلبون الرب. ومع ذلك، فهو أيضًا حكيم. يجلب الشر ولا يرجع عن كلماته، بل يقوم على بيت فاعلي الشر، وعلى معونة فاعلي الإثم. والمصريون بشر وليسوا إلهًا، وخيولهم جسد وليسوا روحًا. فإذا مد الرب يده يعثر المعين ويسقط المعان، ويبيدون جميعًا معًا.”

كانت كلمات إشعياء قوية وواضحة، تذكر الجميع بأن الاعتماد على القوة البشرية هو خطأ فادح. فالمصريون، رغم قوتهم العسكرية، كانوا مجرد بشر، وخيولهم ومركباتهم ليست سوى أدوات مادية لا تستطيع أن تنقذ من غضب الرب.

ثم تابع إشعياء كلامه، موضحًا أن الرب هو الذي يحكم الكون بيده القوية، وهو الذي يستطيع أن يحمي شعبه إذا ما وضعوا ثقتهم فيه. قال: “لأنه هكذا قال لي الرب: كما يزأر الأسد والشبل على فريسته، إذا صرخ عليه جماعة من الرعاة فلا يخاف من صوتهم ولا يذل لضجتهم، هكذا ينزل رب الجنود ليحارب عن جبل صهيون وعن أكامتها. كالطيور المحلقة هكذا يغطي رب الجنود أورشليم. يغطيها ويحفظها، ويعبر عنها ويخلصها.”

كانت هذه الكلمات بمثابة وعد إلهي قوي. فكما أن الأسد لا يخاف من صياح الرعاة، هكذا الرب لا يخاف من جيوش الأشوريين. بل إنه سينزل بنفسه ليحارب عن شعبه ويحمي أورشليم. وستكون حماية الرب لأورشليم كالطيور التي تحلق فوق أعشاشها، تغطيها بجناحيها وتحفظها من كل خطر.

ثم ختم إشعياء كلامه بدعوة للتوبة والرجوع إلى الرب: “ارجعوا إلى الذي غاصت عليه المعصية يا بني إسرائيل. لأنه في ذلك اليوم يرفض كل واحد أصنامه الفضية وأصنامه الذهبية التي عملتها أيديكم خطية. فيسقط الأشوري بالسيف لا بسيف رجل، ويأكله السيف لا بسيف إنسان. فيفر من السيف، وشبابه يكونون تسخيرًا. وصخرته تزول من الخوف، ورهطه ترتعد من الراية، يقول الرب الذي ناره في صهيون وتنوره في أورشليم.”

كانت هذه الكلمات بمثابة تحذير شديد للشعب. فالأصنام التي صنعوها بأيديهم لن تنقذهم، بل ستكون سببًا في سقوطهم. أما الرب، فهو الصخرة الحقيقية التي لا تتزعزع، وهو الذي سيحطم الأشوريين بقوته الإلهية، دون حاجة إلى جيوش بشرية.

وفي النهاية، استجاب الملك حزقيا لكلمة الرب التي نقلها إشعياء. فبدلًا من الاعتماد على مصر، وضع ثقته الكاملة في الرب. وعندما هجم الأشوريون على أورشليم، أرسل الرب ملاكًا ضرب معسكرهم ليلًا، فمات مئة وخمسة وثمانون ألفًا من جنودهم. وهكذا أنقذ الرب شعبه بقوته الإلهية، دون أن يرفعوا سيفًا واحدًا.

وهكذا تعلم شعب يهوذا درسًا عظيمًا: أن الرب وحده هو الملجأ الحقيقي في وقت الضيق، وأن الاعتماد على القوة البشرية هو طريق يؤدي إلى الهلاك. أما الذين يثقون في الرب، فإنهم يكونون في أمان تحت جناحيه، محميين بقوته التي لا تُقهر.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *