الكتاب المقدس

بركات يعقوب الأخيرة لأبنائه الاثني عشر

في الأيام الأخيرة ليعقوب، عندما شعر بأن أيامه على الأرض قد قاربت على النهاية، دعا أبناءه الاثني عشر ليباركهم ويخبرهم بما سيحدث لهم في الأيام الآتية. كان يعقوب شيخًا طاعنًا في السن، وقد امتلأ قلبه بالحكمة التي منحها له الرب بعد سنوات طويلة من الاختبارات والتجارب. جلس على فراشه، محاطًا بأبنائه، وبدأ يتحدث بصوت هادئ لكنه مليء بالسلطان.

بدأ يعقوب بكلامه قائلًا: “اجتمعوا واسمعوا يا بني يعقوب، أصغوا إلى إسرائيل أبيكم.” كانت كلماته تخرج ببطء، وكأن كل كلمة كانت تحمل في طياتها نبوءة مقدسة. نظر إلى روبين، ابنه البكر، وقال: “روبين، أنت بكري، قوتي، وأول قدرتي، فضل في الكرامة وفضل في الجبروت. لكنك طفحت كالماء، فلا تتفضل، لأنك صعدت على مضجع أبيك. حينئذ دنست فراشي.” كانت كلمات يعقوب تحمل توبيخًا لروبين بسبب خطيئته مع بلهة، جارية أبيه، التي أثارت غضب يعقوب وأدت إلى فقدانه حقوق البكورية.

ثم التفت إلى شمعون ولاوي، وقال: “شمعون ولاوي أخوان. آلات الظلم سيوفهما. لا تدخل نفسي في مجلسهما، ولا تتحد رئاستي في جماعتهما، لأنهما في غضبهما قتلا إنسانًا، وفي رضاهما عرقبا ثورًا. ملعون غضبهما فإنه شديد، وسخطهما فإنه قاسٍ. أقسمهما في يعقوب، وأفرقهما في إسرائيل.” كان يعقوب يشير هنا إلى ما فعله شمعون ولاوي في شكيم، عندما انتقما لأختهم دينة بقتل كل رجال المدينة. كان يعقوب يعلم أن غضبهما الجامح سيجلب عليهما التشتت بين القبائل.

ثم رفع عينيه نحو يهوذا، وقال: “يهوذا، إياك يحمد إخوتك. يدك على قفا أعدائك. يسجد لك بنو أبيك. يهوذا جرو أسد. من الفريسة صعدت يا ابني. جثا وربض كأسد، وكلبوة، من ينهضه؟ لا يزول قضيب من يهوذا، ومشترع من بين رجليه، حتى يأتي شيلون، وله يكون خضوع شعوب.” كانت بركة يهوذا مليئة بالوعود العظيمة، حيث تنبأ يعقوب بأن الملكوت سيأتي من نسل يهوذا، وأن المسيا الموعود سيخرج من نسله. كانت كلمات يعقوب تلمح إلى مجد المسيح الذي سيأتي لخلاص العالم.

ثم نظر إلى زبولون، وقال: “زبولون إلى شاطئ البحار يسكن، وهو إلى شاطئ السفن، وحدّه إلى صيدون.” كانت بركة زبولون تتحدث عن مستقبله كقبيلة تعيش بالقرب من البحر وتشتهر بالتجارة والملاحة.

أما يساكر، فقال عنه يعقوب: “يساكر حمار شديد، الرابض بين الحظائر. فرأى أن الموضع حسن، وأن الأرض لذيذة، فحنى كتفه للحمل، وصار عبدًا للتسخير.” كانت كلمات يعقوب تصف يساكر كقبيلة ستكون قوية ولكنها ستخضع للعمل الشاق.

ثم توجه إلى دان، وقال: “دان يدين قومه كواحد من أسباط إسرائيل. ليكون دان حية على الطريق، وأفعوانًا على السبيل، يلسع عقب الفرس، فيسقط راكبه على الوراء.” كانت نبوءة دان تتحدث عن قوته في القضاء، ولكنها أيضًا تلمح إلى الخطر الذي قد يأتي من نسله.

أما جاد، فقال عنه يعقوب: “جَدّ، غزاة تغزوه، وهو يغزو عقبهم.” كانت بركة جاد تتحدث عن قوته في الحرب وقدرته على الانتصار على أعدائه.

ثم بارك أشير قائلًا: “من أشير سمين خبزه، وهو يعطي لذات الملوك.” كانت بركة أشير تتحدث عن غناه ووفرة خيراته.

أما نفتالي، فقال عنه: “نفتالي، أيلة مسلولة، يعطي كلمات حسناء.” كانت بركة نفتالي تصفه بالحرية والجمال، وكأنه سيكون معروفًا بكلماته الجميلة وحياته الحرة.

ثم جاء دور يوسف، الذي كان يعقوب يحبه حبًا شديدًا. قال يعقوب: “يوسف غصن شجرة مثمر، غصن شجرة مثمر عند عين، فروعه تتسلق على الجدار. مرّروه وأغاظوه، ونشّبوا عليه رماة السهام. ولكن قوسه ثبتت بقوة، وذراعا يديه نشطتا بيديّ يعقوب القوي، من هناك يرعى الحجر إسرائيل. من إله أبيك الذي يعينك، والقدير الذي يباركك، ببركات السماء من فوق، وبركات الغمر الرابض تحت، وبركات الثديين والرحم. بركات أبيك تفوق بركات والديّ، إلى نهاية التلال الأزلية. لتكن على رأس يوسف، وعلى قمة نذير إخوته.” كانت بركة يوسف مليئة بالحب والامتنان، حيث تنبأ يعقوب بأن يوسف سيكون قويًا ومباركًا، وسيتمتع ببركات عظيمة من الرب.

وأخيرًا، نظر إلى بنيامين، وقال: “بنيامين ذئب يفترس، في الصباح يأكل فريسة، وفي المساء يقسم غنيمة.” كانت بركة بنيامين تصفه بالقوة والشراسة في الحرب.

بعد أن أنهى يعقوب كلامه، شعر بالسلام يملأ قلبه. كان يعلم أن كلمات البركة والنبوءة التي نطق بها كانت بإرشاد من الرب. ثم أوصى أبناءه بدفنه في مغارة المكفيلة، حيث دفن إبراهيم وسارة، وإسحاق ورفقة، وزوجته ليئة. وبعد أن أعطى هذه الوصية، أسلم يعقوب روحه إلى الرب، وانضم إلى آبائه.

وهكذا، انتهت حياة يعقوب، الرجل الذي كافح مع الله والناس وقهر، وترك وراءه إرثًا من البركات والنبوءات التي ستتحقق في حياة أسباط إسرائيل.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *