في الأيام التي تلت سقوط أورشليم بيد البابليين، كانت الأرض تعاني من الخراب والدمار. كان النبي إرميا قد بقي في أرض يهوذا بعد أن أُطلق سراحه من قِبل نبوخذنصر ملك بابل. كان إرميا رجلاً حزينًا، ينظر إلى الدمار الذي حلّ بالمدينة المقدسة، لكنه كان يعلم أن الله لم يتخلَّ عن شعبه، بل كان يعمل من خلال هذه الأحداث لتحقيق مقاصده.
وفي تلك الأيام، جاء قائد الجيش البابلي، نبوزرادان، إلى إرميا وقال له: “إن الرب إلهك قد أنبأ بهذا الشر على هذا المكان، وقد جاء به الرب وفعل كما تكلم، لأنكم أخطأتم إلى الرب ولم تسمعوا لصوته، لذلك حدث لكم هذا الأمر. والآن، ها أنا أطلقك اليوم من القيود التي على يديك. إن أحسنتَ أن تأتي معي إلى بابل فتعال، فأنا أضع عيني عليك. وإن لم تُحسن أن تأتي معي إلى بابل فأمسك. انظر، كل الأرض قدامك، فاذهب إلى حيث ترى حسنًا ومستقيمًا أن تذهب.”
فكر إرميا في كلمات نبوزرادان، ثم أجاب: “لن أذهب إلى بابل، بل سأبقى هنا في أرض يهوذا، بين بقية الشعب الذين تركهم الرب هنا.” فأطلق نبوزرادان سراح إرميا وأعطاه مؤونة من الطعام وهدية، ثم تركه ليعيش بين شعبه.
ذهب إرميا إلى المصفاة، حيث كان جدليا بن أخيقام بن شافان قد عُين حاكمًا على بقية الشعب الذي ترك في أرض يهوذا. كان جدليا رجلاً حكيمًا وعادلاً، وقد جمع حوله الرجال والنساء والأطفال الذين بقوا في الأرض بعد السبي. وكان يعمل على إعادة بناء الحياة في الأرض، ويشجع الناس على العمل في الكروم والحقول ليعيشوا من خيرات الأرض.
وفي أحد الأيام، جاء إلى المصفاة مجموعة من القادة العسكريين الذين كانوا قد هربوا إلى البرية أثناء الغزو البابلي. كان من بينهم إسماعيل بن نثنيا ويوحانان بن قارح وصرايا بن تنحومث. فجاءوا إلى جدليا وقالوا له: “نحن نريد أن نعيش تحت حمايتك، ونعمل معك لإعادة بناء الأرض.” فرحب بهم جدليا وأقسم لهم قائلاً: “لا تخافوا من خدمة الكلدانيين. اثبتوا في الأرض واخدموا ملك بابل فيكون لكم خير.”
لكن في قلوب بعض هؤلاء القادة، كانت نار الغيرة والحقد تتقد. كان إسماعيل بن نثنيا، الذي كان من نسل الملك، يشعر بالاستياء من تعيين جدليا حاكمًا من قِبل البابليين. فبدأ يتآمر مع بعض الرجال لقتل جدليا. وعندما سمع يوحانان بن قارح عن هذه المؤامرة، ذهب إلى جدليا وحذره قائلاً: “إسماعيل بن نثنيا يريد قتلك. دعني أذهب وأقتله قبل أن يفعل بك شرًا.” لكن جدليا رفض أن يصدق هذا التحذير، وقال: “لا تفعل هذا الأمر، لأنك تتكلم بالكذب على إسماعيل.”
وفي يوم من الأيام، بينما كان جدليا يجلس مع إسماعيل ورفاقه على مائدة الطعام، قام إسماعيل وقتل جدليا بطعنة خنجر غادرة. ثم قام هو ورفاقه بقتل كل اليهود والكلدانيين الذين كانوا مع جدليا في المصفاة. وكانت تلك الفعلة الشنيعة سببًا في إثارة الفوضى والخوف بين بقية الشعب.
وعندما سمع يوحانان بن قارح ومن معه بما حدث، جمعوا رجالهم وذهبوا لملاحقة إسماعيل. لكن إسماعيل هرب مع بعض الأسرى إلى أرض عمون، تاركًا وراءه الدمار والموت.
أما إرميا، فقد كان حزينًا جدًا لما حدث. كان يعلم أن هذه الأحداث كانت نتيجة عصيان الشعب لله ورفضهم سماع كلمته. لكنه كان يعلم أيضًا أن الله لم يتخلَّ عن شعبه، وأنه سيُعيد بناءهم ويردهم إلى أرضهم في الوقت المناسب.
وهكذا، بقيت بقية الشعب في أرض يهوذا تعيش في خوف وقلق، بينما كان إرميا يرفع صلواته إلى الله، طالبًا الرحمة والغفران لشعبه، ومتذكرًا وعود الله الأبدية بأنه لن يتخلَّ عنهم إلى الأبد.