الكتاب المقدس

اعتراف بطرس ودعوة يسوع للتضحية

في ذلك الزمان، كان يسوع المسيح يتجول مع تلاميذه في منطقة قيصرية فيلبس، وهي منطقة تقع عند سفح جبل حرمون، حيث تتدفق الينابيع وتحيط بها الغابات الكثيفة. كان الجو باردًا بعض الشيء، والرياح تعصف بين الأشجار، بينما كانت الشمس تلمع على صفحة المياه الهادئة. كان التلاميذ يسيرون خلف يسوع، يتحدثون فيما بينهم عن المعجزات التي رأوها، وعن تعاليمه العميقة التي كانت تلمس قلوبهم.

وقف يسوع فجأة، والتفت إلى تلاميذه، ونظر إليهم بعينين مليئتين بالحكمة والحنان. قال لهم: “ماذا يقول الناس عني؟ من أنا في نظرهم؟” فبدأ التلاميذ يتحدثون، كل واحد يذكر ما سمعه من الناس. قال أحدهم: “البعض يقولون إنك يوحنا المعمدان الذي قام من الأموات.” وقال آخر: “آخرون يقولون إنك إيليا النبي الذي عاد ليعلن مجيء الملكوت.” وقال ثالث: “البعض يعتقدون أنك إرميا أو واحد من الأنبياء العظام.”

فنظر إليهم يسوع بتأمل عميق، ثم سألهم: “وأنتم، من تقولون إنني أنا؟” فساد صمت للحظة، وكأن الوقت توقف. ثم تقدّم سمعان بطرس، الذي كان دائمًا الأكثر جرأة بين التلاميذ، وقال بصوت واضح وثابت: “أنت المسيح، ابن الله الحي!” كانت كلماته كالصاعقة، فقد عبّرت عن إيمان عميق وحقيقة عظيمة.

فابتسم يسوع، ونظر إلى بطرس بعينين مليئتين بالفرح، وقال: “طوبى لك يا سمعان بن يونا، لأن هذا لم يُعلَن لك من لحم ودم، بل أبي الذي في السماوات. وأنا أقول لك: أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. وسأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في السماوات، وما تحله على الأرض يكون محلولًا في السماوات.”

كانت كلمات يسوع مليئة بالسلطان، وكأنها تُنقش في قلوب التلاميذ إلى الأبد. لكنه، بعد ذلك، بدأ يخبرهم بما سيحدث له في المستقبل. قال: “ينبغي لي أن أذهب إلى أورشليم، وأتألم كثيرًا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، وأُقتل، وفي اليوم الثالث أقوم.” كانت كلماته صادمة، فلم يستطع التلاميذ أن يفهموا كيف يمكن للمسيح، ابن الله الحي، أن يتألم ويُقتل.

فتقدم بطرس مرة أخرى، وأخذ يسوع جانبًا، وقال له: “حاشاك يا رب! لن يكون هذا لك!” لكن يسوع التفت إليه، ونظر إليه بعينين حازمتين، وقال: “اذهب عني يا شيطان! أنت معثرة لي، لأنك لا تهتم بما لله، بل بما للناس.”

ثم دعا يسوع التلاميذ جميعًا، وقال لهم: “إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني. لأن من أراد أن يخلّص نفسه يهلكها، ومن يهلك نفسه من أجلي يجدها. ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟”

كانت كلمات يسوع ثقيلة، لكنها كانت مليئة بالحقيقة. فقد كان يدعوهم إلى حياة التضحية والإنكار الذاتي، إلى حياة تتبع مشيئة الله فوق كل شيء. ثم أضاف: “لأن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله.”

وبينما كان يسوع يتكلم، بدأت الغيوم تتجمع في السماء، وكأن الطبيعة نفسها كانت تشهد على عظمة هذه اللحظة. كان التلاميذ يشعرون بثقل الكلمات، لكنهم كانوا يعلمون أنهم سمعوا الحق الذي سيغير حياتهم إلى الأبد.

وهكذا، استمر يسوع في تعليم تلاميذه، مظهرًا لهم طريق الملكوت، وداعيًا إياهم إلى حياة الإيمان والتضحية، حتى يأتي اليوم الذي فيه يتمجد ابن الإنسان في مجد أبيه.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *