الكتاب المقدس

عزرا والتوبة: عودة الشعب إلى طاعة الله

في الأيام التي تلت عودة الشعب اليهودي من السبي البابلي إلى أرض يهوذا، كان عزرا الكاتب، الرجل الذي أرسله الملك أرتحشستا لتعليم شريعة الله في أورشليم، جالسًا في دار الهيكل يتأمل في حال الشعب. كان عزرا رجلًا تقيًا، غيورًا على ناموس الرب، وكان قلبه يشتعل غيرة لطاعة كلمة الله. لكن في تلك الأيام، وصلت إليه أخبار مزعجة من بعض القادة الذين قالوا له: “لم يفصل الشعب ولا الكهنة ولا اللاويون أنفسهم عن شعوب الأرض الذين يفعلون الرجاسات، الكنعانيين والحثيين والفرزيين واليبوسيين والعمونيين والموآبيين والمصريين والأموريين. لأنهم أخذوا من بناتهم لأنفسهم ولبنيهم، واختلط النسل المقدس بشعوب الأرض، ويد الرؤساء والولاة كانت هي الأولى في هذه الخيانة.”

عندما سمع عزرا هذه الكلمات، مزق ثيابه ورداءه، ونتف شعر رأسه ولحيته، وجلس مندهشًا حتى وقت التقدمة المسائية. كان قلبه مثقلًا بالحزن والخزي، لأنه رأى كيف أن الشعب الذي كان قد عاد لتوه من السبي، والذي كان ينبغي أن يكون قد تعلم درسًا من عقاب الله، قد عاد إلى الخطيئة نفسها التي أدت إلى سقوط أورشليم من قبل. كانت خطية الزواج من الشعوب الوثنية، التي نهى عنها الله صراحة في شريعته، قد انتشرت بينهم، حتى بين الكهنة واللاويين الذين كانوا مسؤولين عن تعليم الشعب وصيانة قداسة الهيكل.

عند وقت التقدمة المسائية، نهض عزرا من حزنه، وسقط على ركبتيه ومد يديه إلى السماء، وبدأ يصلي صلاة اعتراف مؤثرة. قال: “يا إلهي، إني أخجل وأخزى أن أرفع وجهي إليك يا إلهي، لأن ذنوبنا قد كثرت فوق رؤوسنا، وآثامنا تعاظمت إلى السماء. من أيام آبائنا نحن في ذنب عظيم إلى هذا اليوم، وبسبب آثامنا سلمنا نحن وملوكنا وكهنتنا ليد ملوك الأرض، للسيف والسبي والنهار والخزي كما في هذا اليوم.”

كانت كلمات عزرا تخرج من أعماق قلبه المكسور، وهو يتذكر كيف أن الله كان قد أنقذهم من السبي وأعادهم إلى أرضهم، لكنهم الآن، بدلًا من أن يكونوا شعبًا مقدسًا مكرسًا للرب، عادوا إلى الخطيئة التي أدت إلى دمارهم. كان عزرا يعترف بخطايا الشعب كأنها خطاياه هو، لأنه كان يشعر بثقل المسؤولية كمعلم للشريعة وكقائد روحي.

ثم تابع عزرا صلاته قائلًا: “والآن، يا إلهنا، ماذا نقول بعد هذا؟ لأننا قد تركنا وصاياك التي أوصيت بها عن يد عبيدك الأنبياء، قائلين: الأرض التي أنتم داخلون إليها لتمتلكوها هي أرض نجسة بنجاسة شعوب الأرض برجاساتهم التي ملأوها من طرف إلى طرف بنجاستهم. فالآن لا تعطوا بناتكم لبنيهم، ولا تأخذوا بناتهم لبنيكم، ولا تطلبوا سلامهم وخيرهم إلى الأبد، لكي تشتدوا وتأكلوا خير الأرض وتورثوها لبنيكم إلى الأبد.”

كان عزرا يذكر الشعب بوصايا الله الواضحة التي كانت تهدف إلى حمايتهم من التأثر بعبادة الأوثان والانحراف عن عبادة الرب الحقيقي. لكنهم، بدلًا من ذلك، اختلطوا بالشعوب الوثنية وتزوجوا منهم، مما أدى إلى تلوث قداستهم كشعب مختار.

ثم ختم عزرا صلاته بالقول: “والآن، بعد كل ما أتانا بسبب أعمالنا الرديئة وآثامنا العظيمة، وأنت يا إلهنا قد أخرت عنا أقل مما تستحق ذنوبنا وأعطيتنا نجاة كهذه، أفنعود فنخالف وصاياك ونصاهر شعوب هذه الرجاسات؟ ألا تغضب علينا حتى تفنينا حتى لا يبقى باقية ولا ناجية؟ يا رب إله إسرائيل، أنت بار، لأننا بقينا ناجين كما في هذا اليوم. ها نحن أمامك بآثامنا، لأنه ليس من سبيل للوقوف أمامك بسبب هذا.”

كانت صلاة عزرا صلاة اعتراف عميقة، مليئة بالحزن والتوبة. لقد أدرك أن خطية الشعب كانت كبيرة، وأنهم لا يستحقون رحمة الله. لكنه في نفس الوقت، كان يعلم أن الله رحيم وغفور، وأنه إذا تاب الشعب بصدق، فإن الله سوف يغفر لهم ويعيدهم إلى علاقة صحيحة معه.

بعد أن انتهى عزرا من صلاته، اجتمع حوله جماعة كبيرة من الرجال والنساء والأطفال، وكانوا يبكون بحرقة. لقد تأثروا بشدة بصلاة عزرا واعترافه بخطاياهم. عندها قام شكنيا بن يحيل، واحد من أبناء عيلام، وقال لعزرا: “قد خنّا إلهنا وتزوجنا نساء غريبة من شعوب الأرض، ولكن الآن يوجد رجاء لإسرائيل في هذا. فالآن لنقطع عهدًا مع إلهنا أن نطلق كل النساء الغريجات وأولادهن حسب مشورة سيدي وحسب ناموس الله، وليكن حسب الشريعة. قم، فإن الأمر عليك، ونحن معك. تشدد واعمل.”

فنهض عزرا وأقسم الرؤساء والكهنة واللاويون وجميع الشعب أن يعملوا حسب هذا الكلام. فأطلقوا كل النساء الغريجات وأولادهن، وقدم الشعب ذبائح للتكفير عن خطاياهم. وهكذا، بدأ الشعب عملية تطهير أنفسهم من الخطيئة والعودة إلى طاعة الله.

كانت تلك الأيام أيام توبة وإصلاح، حيث أدرك الشعب ثقل خطيتهم وعادوا إلى الله بقلوب منكسرة. وكان عزرا، بروحه المتواضعة وصلاته المؤثرة، القائد الذي قادهم في هذه الرحلة الروحية نحو التوبة والاستعادة.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *