الكتاب المقدس

أيوب: الصبر في محنة البلاء

في أرض عوص، كان هناك رجلٌ بارٌ يُدعى أيوب. كان أيوب خادماً أميناً للرب، يتقي الله ويحيد عن الشر. لكنّ البلاء نزل عليه فجأة، ففقد كلّ أولاده وثروته، وأصابته أمراضٌ مؤلمةٌ جعلته يجلس على الرماد، يحكّ جسده بقطعةٍ من الفخار. وكان أيوب في ألمٍ شديدٍ، يتألم جسدياً وروحياً، لكنّه لم يجدّف على الله.

جاء أصدقاء أيوب ليعزّوه، وكان بيلدَد الشّوحيّ واحداً منهم. بعد أن سمع بيلدَد كلمات أيوب التي عبّر فيها عن حيرته وألمه، بدأ يتحدث بكلماتٍ مليئةٍ بالحكمة البشرية، لكنّها كانت تفتقر إلى الفهم الكامل لتدابير الله. وقف بيلدَد وقال:

“إلى متى تتكلّم بهذا الكلام، وتُصّر على أن كلماتك هي الحق؟ هل يُعوّج الله الحق؟ إن كان أولادك قد أخطأوا أمامه، فقد أرسلهم إلى عقابهم. أما أنت، فلو طلبت الله بقلبٍ نقيٍ، ورفعت إليه يديك طالباً الرحمة، لاستجاب لك. لو كنتَ طاهراً ومستقيماً، لقام الآن وأعاد إليك بركتَه، ولأعطاك بيتاً أفضل من بيتك الأول، وملأ حياتك بالفرح.

اسأل الأجيال السابقة، وتأمّل في خبرة آبائهم. نحن أبناء الأمس ولا نعلم شيئاً، لأن أيامنا على الأرض ظلٌ عابر. أما هم، فسيعلّمونك، وسيخبرونك بما في قلوبهم. هل ينمو القصب بدون ماء؟ هل يزدهر بدون طين؟ وهو في أوج نموّه، قبل أن يُقطع، يجفّ قبل كل عشبٍ آخر. هكذا هي طرق كل من ينسى الله، ورجاء المنافق يضمحل. فثقته كبيت العنكبوت الهش، الذي ينهار بأدنى لمسة. هو يتكئ على بيته، لكنّه لا يصمد؛ يتمسك به، لكنّه لا يثبت. هو كالنبات الذي ينمو أخضراً تحت الشمس، ويفرش أغصانه في الحديقة، لكنّ جذوره تتعقد بين الحجارة، وتتشبث بالصخور. لكن إذا اقتُلع من مكانه، فإن المكان ينكره قائلاً: ‘لم أرَكَ قط!’ فهكذا هي فرحة المنافق، وآخرون ينبتون مكانه.

إن الله لا يرفض الكامل، ولا يأخذ بيد الأشرار. سيُملأ فمك بالضحك، وشفتاك بالتهليل. الذين يكرهونك يلبسون الخزي، وخيمة الأشرار تزول.”

كانت كلمات بيلدَد قويةً ومليئةً بالصور البلاغية، لكنّها كانت تحمل في طياتها اتهاماً خفياً لأيوب، وكأنّه يقول إنّ ما حدث له هو نتيجة خطيئةٍ خفيّةٍ. لكنّ أيوب، في قلبه، كان يعلم أنّه لم يُخطئ إلى الله بهذا القدر الذي يستحقّ كلّ هذا البلاء. ومع ذلك، كان أيوب يتأمّل في كلمات بيلدَد، ويبحث في قلبه عن أيّ ذنبٍ ربما يكون قد ارتكبه دون أن يدري.

لكنّ أيوب كان يعلم أيضاً أن طرق الله أعلى من طرق البشر، وأفكاره أعظم من أفكارهم. فصمت أيوب لبرهة، ثم رفع عينيه نحو السماء، وبدأ يتحدث إلى الرب في قلبه، طالباً الفهم والرحمة. كان أيوب يعلم أن الله عادلٌ وحكيمٌ، وأنّ كلّ ما يحدث في حياته هو تحت سيطرته. فقرّر أن ينتظر بصبرٍ، واثقاً بأنّ الله سيُظهر براءته في الوقت المناسب.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *