في تلك الأيام، كانت الأرض تعيش في حالة من الاضطراب والقلق. كانت الأمم تتقاتل، والممالك تتهاوى، والناس يبحثون عن بصيص أمل وسط الظلام الذي يلفّ العالم. وفي وسط هذا الاضطراب، جاءت كلمة الرب إلى إشعياء النبي، ليكشف له عن رؤية عظيمة ستغير مجرى التاريخ.
كان إشعياء واقفًا على شرفة قصره في أورشليم، ينظر إلى الأفق البعيد حيث تلتقي السماء بالأرض. وفجأة، انفتحت السماء، ورأى إشعياء رؤية مذهلة. رأى صحراء قاحلة تمتد إلى ما لا نهاية، والرياح العاتية تعصف بالرمال، وتحمل معها أصواتًا غريبة وكأنها صرخات أناس في محنة. ثم ظهرت أمامه صورة لمدينة عظيمة، مدينة بابل، المدينة التي كانت تعتبر في ذلك الوقت مركز القوة والثراء. لكن هذه المدينة العظيمة كانت على وشك أن تتهاوى.
ورأى إشعياء في الرؤية جيوشًا قادمة من الشرق، جيوش فارس ومادي، تحمل سيوفًا لامعة وترتدي دروعًا براقة. كانت هذه الجيوش تسير بخطى ثابتة نحو بابل، وكأنها مصممة على تدميرها. ورأى إشعياء أيضًا أناسًا داخل المدينة يركضون في ذعر، ويصرخون من الخوف، بينما يحاولون الهروب من المصير الذي ينتظرهم.
ثم سمع إشعياء صوتًا قويًا يناديه من السماء: “انزل يا إشعياء، وانظر إلى ما سيحدث. انظر إلى سقوط بابل العظيمة، المدينة التي كانت تعتبر مركز العالم. انظر إلى كيف ستسقط في يوم واحد، وكيف سيصبح كل مجدها ترابًا تحت الأقدام.”
فنزل إشعياء من الشرفة، وبدأ يتجول في شوارع أورشليم، وهو يحمل في قلبه ثقل هذه الرؤية. كان يعلم أن الرب قد كشف له عن شيء عظيم، شيء سيهزّ العالم بأسره. وكان يعلم أيضًا أن هذه الرؤية ليست مجرد تحذير لبابل، بل هي أيضًا رسالة لشعب الله، ليعلموا أن الرب هو الذي يتحكم في مصائر الأمم، وأنه هو الذي يرفع ويهبط، ويعطي ويسلب.
وفي تلك الليلة، لم يستطع إشعياء النوم. كان يفكر في الرؤية التي رآها، وفي الرسالة التي يجب أن ينقلها إلى الشعب. وفي الصباح، اجتمع الشعب في الهيكل، ووقف إشعياء أمامهم ليخبرهم بما رآه. قال لهم: “اسمعوا يا شعبي، لقد رأيت رؤية من الرب. رأيت بابل العظيمة تسقط، ورأيت جيوشًا قادمة من الشرق لتدميرها. هذا هو تحذير الرب لنا، لنتذكر أن الرب هو الذي يحكم العالم، وليس القوة البشرية.”
فسكت الشعب، وبدأوا يفكرون في كلمات إشعياء. كانوا يعلمون أن بابل كانت عدوًا لدودًا لهم، ولكنهم أيضًا كانوا يعلمون أن الرب هو الذي سيحقق العدل في النهاية.
وبعد أيام قليلة، بدأت الأخبار تصل إلى أورشليم عن سقوط بابل. كانت الجيوش الفارسية قد دخلت المدينة ليلاً، وأسقطت حصونها، وأحرقت قصورها، وقتلت كل من وقف في طريقها. وكان سقوط بابل سريعًا ومفاجئًا، تمامًا كما رأى إشعياء في رؤيته.
وعندما سمع الشعب بهذه الأخبار، تذكروا كلمات إشعياء، وعلموا أن الرب هو الذي كان يتكلم من خلاله. فسجدوا للرب، وشكروه على عدله ورحمته، وعلموا أنهم، كشعب الله، يجب أن يثقوا به في كل الظروف، لأنه هو الذي يتحكم في كل شيء.
وهكذا، أصبحت رؤية إشعياء تذكيرًا قويًا لشعب الله بأن الرب هو الذي يحكم العالم، وأنه هو الذي سيحقق العدل في النهاية. وعاش إشعياء بقية أيامه وهو يعلم أن الرب قد استخدمه لنقل رسالة مهمة إلى شعبه، رسالة ستظل تُذكر عبر الأجيال.