الكتاب المقدس

سقوط بابل: دينونة الرب وبداية الرجاء

في الأيام التي سبقت سقوط بابل العظيمة، كانت كلمة الرب تأتي إلى إرميا النبي، قائلة: “هكذا يقول الرب: ها أنا أُهيِّج على بابل روحًا مُهلكة، وأرسل على أهلها ريحًا عاصفة. وأرسل إلى بابل غرباء يذرونها، ويفرغون أرضها، لأنهم يكونون عليها من كل ناحية في يوم الشر.”

كانت بابل، المدينة العظيمة، قد ارتفعت في كبرياءها، وظنّت أنها لن تسقط أبدًا. كانت جدرانها العالية شاهقة، وقصورها فاخرة، وثرواتها لا تُحصى. لكن الرب، الذي يعرف قلوب البشر وأفكارهم، رأى كبرياءها وخطاياها. كانت بابل قد أذلّت شعبه، وأسَرَت يهوذا، وسبت شعبه إلى أرض غريبة. لذلك، قرر الرب أن يعاقبها.

وتابع الرب قائلًا: “لا تُشفقوا عليها، ولا تعفوا عن سيفي. اقتلوا كل ذكورها، واخرجوها إلى الذبح. ويل لسكّان أرض الكلدانيين، لأن يومهم قد أتى، وقت عقابهم.” كانت كلمات الرب قاسية، لكنها عادلة. فبابل لم تكن فقط قوة ظالمة، بل كانت أيضًا رمزًا للشر والفساد.

وفي تلك الأيام، بدأت علامات دينونة الرب تظهر. كانت السماء تمطر نارًا، والأرض ترتجف تحت أقدام البابليين. وكانت أصوات الجنود القادمين من الشمال تملأ الأجواء، كهدير البحر العظيم. كانت جيوش مادي وفارس تتقدم كالسيل الجارف، لا شيء يقف في طريقها. كانت بابل، التي ظنّت أنها لا تُقهر، تُحاط من كل جانب.

وفي وسط هذا الاضطراب، كان الرب يُعلن: “أنا خالقك يا بابل، وأنا الذي أهلكك. سأجعل منك رمادًا، ولن تُبنى بعد اليوم. لأنك أذللت شعبي، وأسأت إلى مقدساتي.” كانت كلمات الرب كالسيف الحاد، تخترق قلوب البابليين الذين كانوا يعيشون في غرورهم.

وفي تلك الليلة المشؤومة، عندما كان الملك بلشاصر يحتفل مع أشرافه، ظهرت أصابع يد إنسان وكتبت على الحائط: “مَنِي، مَنِي، تَكِيل، وَفَرْسِين.” كانت الكلمات غامضة، لكن دانيال النبي فسّرها قائلًا: “لقد حُسِبَت أيام مملكتك، ووُزِنَت في الميزان، فوجدت ناقصة. قُسِّمَت مملكتك وأُعطِيَت لمادي وفارس.”

وفي تلك الليلة نفسها، دخلت جيوش مادي وفارس المدينة من خلال النهر الذي جفّفوه، وسقطت بابل العظيمة. كانت صرخات البابليين تملأ الهواء، لكن لا منقذ لهم. كانت المدينة التي كانت يومًا ما عروس العالم، تُحرق وتُدمّر. كانت قصورها الفاخرة تُسوّى بالأرض، ومعابد آلهتها الكاذبة تُحطّم.

وبعد ذلك، قال الرب: “لتكن بابل كسدوم وعمورة، مدينة لا تُسكن إلى الأبد. لن يُرفع فيها صوت عريس ولا عروس، ولن يُسمع فيها صوت طاحونة. لأنها أذلّت شعبي، وأساءت إلى أرضي.”

وهكذا، تحققت كلمة الرب. أصبحت بابل خرابًا، مكانًا للوحوش والطيور الجارحة. ولم تعد تُذكر إلا كرمز للدينونة الإلهية على الكبرياء والظلم. وكانت هذه نهاية بابل، المدينة التي تحدّت الرب، لكنها لم تستطع الوقوف في وجه قضاءه العادل.

وفي النهاية، قال الرب: “لكن شعبي، يا إسرائيل، سأردّهم إلى أرضهم. سأشفيهم وأعطيهم راحة. لأني أنا الرب، إلههم، ولن أتركهم إلى الأبد.” وهكذا، كانت دينونة بابل أيضًا بداية رجاء لشعب الله، الذين وعدهم الرب بالخلاص والرجوع إلى أرض الموعد.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *