الكتاب المقدس

محاكمة وصلب يسوع المسيح: بداية قصة القيامة

في ذلك الزمان، عندما كان يسوع المسيح قد أُسلم إلى بيلاطس البنطي، حاكم الرومان، اجتمع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب ليقرروا مصيره. كانت السماء رمادية، والرياح تعصف بشدة، وكأن الطبيعة نفسها كانت تتنبأ بالأحداث الجسيمة التي على وشك الحدوث. كان بيلاطس جالسًا على كرسي القضاء، محاطًا بحراسه، بينما وقف يسوع صامتًا، مكبلاً بالقيود، لكن نظراته كانت مليئة بالسلام والثقة في إرادة الآب السماوي.

بدأت المحاكمة، واتهم رؤساء الكهنة يسوع بأنه يدعي أنه ملك اليهود، مما يشكل تهديدًا لسلطة روما. لكن بيلاطس، الذي كان يعرف أن الاتهامات كانت مدفوعة بالحسد، حاول أن يجد طريقة لإطلاق سراح يسوع. قال لهم: “أي شر عمل هذا الرجل؟ لم أجد فيه سببًا للموت.” لكن الحشد، الذي كان قد تجمع بأعداد كبيرة، بدأ يصرخ: “اصلبه! اصلبه!”

عندما رأى بيلاطس أن الأمور تخرج عن سيطرته، تذكر عادة كانت لديهم في عيد الفصح، حيث كان الحاكم يطلق سراح سجين واحد حسب رغبة الشعب. فسألهم: “من تريدون أن أطلق لكم: يسوع الذي يُدعى المسيح، أم باراباس اللص المشهور؟” وكان باراباس قد ارتكب جرائم عنف واضطرابات، لكن الحشد، تحت تأثير رؤساء الكهنة، صرخوا بصوت واحد: “باراباس!”

عندئذ، سأل بيلاطس: “فماذا أفعل بيسوع الذي يُدعى المسيح؟” فأجابوا جميعًا: “ليُصلب!” حاول بيلاطس مرة أخرى أن يجادلهم، قائلًا: “لماذا؟ أي شر عمل؟” لكنهم ازدادوا صراخًا: “ليُصلب!” وعندما رأى بيلاطس أنه لا يفيد شيئًا، بل أن الشغب يزداد، أخذ ماءً وغسل يديه أمام الجمع، قائلًا: “إني بريء من دم هذا البار. أنتم أبصروا إلى ذلك.” فأجاب الشعب كله: “دمه علينا وعلى أولادنا!”

فأمر بيلاطس بتسليم يسوع للصلب. فأخذ الجنود يسوع إلى دار الولاية، وجمعوا عليه كل الكتيبة. فخلعوا عنه ثيابه وألبسوه رداءً قرمزيًا، وضفروا إكليلًا من شوك ووضعوه على رأسه، وأعطوه قصبة في يمينه، وكانوا يجثون أمامه ويستهزئون به قائلين: “السلام يا ملك اليهود!” وبصقوا عليه، وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه.

بعد أن استهزأوا به، خلعوا عنه الرداء وألبسوه ثيابه، ومضوا به للصلب. وفي طريقهم، لقوا رجلًا من قيروان اسمه سمعان، فأجبروه أن يحمل صليب يسوع. ولما أتوا إلى المكان الذي يُدعى جلجثة، وهو ما يُعرف بموضع الجمجمة، أعطوه خمرًا ممزوجًا بمرارة ليشرب، ولكن عندما ذاقه لم يشأ أن يشرب.

فصلبوه هناك، وقسموا ثيابه بينهم بالقرعة، وجلسوا يحرسونه. ووضعوا فوق رأسه علّة مكتوبًا عليها: “هذا هو يسوع ملك اليهود.” وكان معه لصان، واحد عن يمينه وآخر عن يساره. وكان المارّون يجدفون عليه، ويهزّون رؤوسهم قائلين: “يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام، خلّص نفسك! إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب!”

وكذلك رؤساء الكهنة أيضًا وهم يستهزئون مع الكتبة والشيوخ قالوا: “آخرين خلّص، وأما نفسه فما يقدر أن يخلّصها! إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به! اتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده، لأنه قال: إني ابن الله!” وكذلك اللصان اللذان صُلبا معه كانا يعيّرانه.

ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة. ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلًا: “إيلي، إيلي، لما شبقتني؟” أي: “إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟” فلما سمع بعض الواقفين هناك قالوا: “إنه ينادي إيليا.” فركض واحد منهم وأخذ إسفنجة وملأها خلاً ووضعها على قصبة وسقاه. وأما الباقون فقالوا: “دعنا ننظر هل يأتي إيليا يخلّصه!”

فصرخ يسوع أيضًا بصوت عظيم وأسلم الروح. وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين.

أما قائد المئة والذين معه يحرسون يسوع، فلما رأوا الزلزلة وما كان، خافوا جدًا وقالوا: “حقًا كان هذا ابن الله!” وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد، وهنّ كنّ قد تبعن يسوع من الجليل يخدمنه، بينهنّ مريم المجدلية، ومريم أم يعقوب ويوسي، وأم ابني زبدي.

ولما كان المساء، جاء رجل غني من الرامة اسمه يوسف، وكان هو أيضًا تلميذًا ليسوع. فتقدّم إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع. فأمر بيلاطس حينئذ أن يُسلّم الجسد. فأخذ يوسف الجسد ولفّه بكتان نقيّ، ووضعه في قبره الجديد الذي كان قد نحته في الصخر، ثم دحرج حجرًا كبيرًا على باب القبر ومضى. وكانت هناك مريم المجدلية ومريم الأخرى جالستين تجاه القبر.

وفي اليوم التالي، الذي هو بعد الاستعداد، اجتمع رؤساء الكهنة والفريسيون إلى بيلاطس قائلين: “يا سيد، قد تذكرنا أن ذلك المضلّ قال وهو حيّ: إني بعد ثلاثة أيام أقوم. فمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث لئلا يأتي تلاميذه ليلًا ويسرقوه ويقولوا للشعب: إنه قام من الأموات، فتكون الضلالة الأخيرة أشرّ من الأولى.” فقال لهم بيلاطس: “عندكم حراس. اذهبوا واضبطوه كما تعلمون.” فمضوا وضبطوا القبر بالحراس وختموا الحجر.

وهكذا، في ختام هذا اليوم المليء بالأحداث الجسيمة، بدأت قصة جديدة، قصة القيامة التي ستغير مصير البشرية إلى الأبد.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *