في مدينة تسالونيكي، حيث كانت الكنيسة الناشئة تتعلم وتنمو في الإيمان، كتب الرسول بولس رسالة مليئة بالنصائح الروحية والتشجيعات العميقة. وكانت رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي، خاصة في الإصحاح الخامس، تحمل تعاليمًا قوية عن مجيء الرب ونهاية الزمان، وكيف يجب أن يعيش المؤمنون في انتظار ذلك اليوم العظيم.
بدأ بولس حديثه بتذكير المؤمنين بأنهم يعيشون في زمن لا يعرفون فيه اليوم ولا الساعة التي سيأتي فيها الرب. فقال: “أَمَّا الأَزْمِنَةُ وَالأَوْقَاتُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ جَيِّدًا أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هكَذَا يَجِيءُ.” (1 تسالونيكي 5: 1-2). كان بولس يريد أن يفهم المؤمنون أن مجيء الرب سيكون مفاجئًا، مثل لص يأتي في الليل دون سابق إنذار. لذلك، كان عليهم أن يكونوا مستعدين دائمًا، لأنهم أبناء النور وأبناء النهار، وليسوا من الظلمة ولا من الليل.
ثم واصل بولس حديثه قائلًا: “فَلاَ نَنَمْ إِذًا كَالْبَاقِينَ، بَلْ لِنَكُنْ مُسْتَيْقِظِينَ وَصَاحِينَ.” (1 تسالونيكي 5: 6). كان بولس يحث المؤمنين على اليقظة الروحية، لأن النوم هنا يرمز إلى الغفلة الروحية والانشغال بأمور العالم. بدلًا من ذلك، كان عليهم أن يكونوا صاحين، أي أن يعيشوا حياة الصلاة والشركة مع الله، وأن يكونوا مدركين لخطورة الأوقات التي يعيشون فيها.
ثم قدم بولس نصائح عملية للمؤمنين، فقال: “لأَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْنَا لِلْغَضَبِ، بَلْ لِاقْتِنَاءِ الْخَلاَصِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ.” (1 تسالونيكي 5: 9). كان بولس يؤكد أن المؤمنين قد اختارهم الله ليس للهلاك، بل للخلاص الأبدي من خلال الإيمان بيسوع المسيح. لذلك، كان عليهم أن يعيشوا حياة تليق بهذا الاختيار، حياة مليئة بالإيمان والمحبة والرجاء.
ثم تابع بولس بتشجيع المؤمنين على بناء بعضهم بعضًا، فقال: “لِذلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَابْنُوا أَحَدُكُمُ الآخَرَ، كَمَا تَفْعَلُونَ أَيْضًا.” (1 تسالونيكي 5: 11). كان بولس يريد أن تكون الكنيسة مكانًا للدعم المتبادل، حيث يتشجع المؤمنون بعضهم بعضًا، ويبنون بعضهم بعضًا في الإيمان. وكان هذا التشجيع ضروريًا في تلك الأوقات الصعبة التي كانت الكنيسة تواجه فيها الاضطهاد والتحديات.
ثم قدم بولس نصائح عملية أخرى، فقال: “نَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ: أَنْ تُكْرِمُوا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ بَيْنَكُمْ، وَالَّذِينَ هُمْ رُؤَسَاؤُكُمْ فِي الرَّبِّ وَمُوَبِّخُوكُمْ.” (1 تسالونيكي 5: 12). كان بولس يحث المؤمنين على احترام وتقدير القادة الروحيين الذين يخدمونهم ويعلمونهم كلمة الله. وكان هذا التقدير جزءًا من الحياة المسيحية الصحية، حيث يعترف المؤمنون بجهود أولئك الذين يعملون من أجل نموهم الروحي.
ثم ختم بولس رسالته بتوجيهات عملية أخرى، فقال: “اِحْتَرِزُوا مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ.” (1 تسالونيكي 5: 22). كان بولس يحث المؤمنين على الابتعاد عن كل ما هو شرير، وأن يعيشوا حياة مقدسة تليق بمن دعاهم إلى ملكوته ومجده. وكان هذا التحذير جزءًا من الدعوة العامة للمؤمنين ليعيشوا حياة الطهارة والقداسة في عالم مليء بالشرور.
وأخيرًا، ختم بولس رسالته بصلاة جميلة، فقال: “وَاللهُ سَلاَمٍ نَفْسِهِ يُقَدِّسُكُمْ بِالتَّمَامِ، وَلْتُحْفَظْ رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً بِلاَ لَوْمٍ عِنْدَ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ.” (1 تسالونيكي 5: 23). كانت هذه الصلاة تعبيرًا عن رغبة بولس في أن يعيش المؤمنون حياة مقدسة وكاملة، مستعدين لمجيء الرب يسوع المسيح.
وهكذا، كانت رسالة بولس إلى أهل تسالونيكي رسالة مليئة بالتشجيع والنصائح العملية، تذكر المؤمنين بضرورة اليقظة الروحية، والاستعداد لمجيء الرب، والعيش حياة مقدسة تليق بمن دعاهم إلى ملكوته. وكانت هذه الرسالة بمثابة نور يضيء طريق المؤمنين في وسط عالم مظلم، داعيًا إياهم إلى أن يكونوا أبناء النور، مستعدين دائمًا لاستقبال الرب حين يأتي.