في الأيام التي سبقت أن أصبح داود ملكًا على إسرائيل، كان يمر بفترة صعبة مليئة بالتحديات والاختبارات. فقد كان مطاردًا من قبل شاول الملك، الذي كان يريد قتله بسبب غيرته وخوفه من أن يأخذ داود المُلك منه. وفي إحدى تلك الأيام، شعر داود بالإحباط والتعب من الهروب المستمر. ففكر في نفسه قائلًا: “لن أكون آمنًا أبدًا في أرض إسرائيل طالما شاول حي. سأذهب إلى أرض الفلسطينيين، حيث لن يبحث عني هناك.”
فجمع داود رجاله الستمئة، وذهبوا إلى أخيش بن معوك، ملك جت، وهي إحدى مدن الفلسطينيين. وعندما وصلوا، وقف داود أمام أخيش وقال: “إذا وجدتُ نعمة في عينيك، فامنحني مكانًا في إحدى مدن الريف لأعيش فيه. لماذا يجب أن أعيش في المدينة الملكية معك؟” فنظر أخيش إلى داود ورجاله، ورأى فيهم قوة وشجاعة، فاستجاب لطلب داود وأعطاه مدينة صقلغ ليعيش فيها.
وهكذا، استقر داود ورجاله في صقلغ، وأصبحت المدينة ملكًا له ولأتباعه. وكان داود يعيش هناك لمدة سنة وأربعة أشهر، وكان خلالها يخرج مع رجاله ليغزو القبائل المجاورة التي كانت تعادي إسرائيل. وكان داود حريصًا على ألا يترك أي أثر لأعماله، حتى لا يصل خبرها إلى شاول. فكان يهاجم القبائل مثل الجشوريين والجرزيين والعمالقة، ويقتل كل الرجال والنساء، ويأخذ المواشي والغنم والإبل والثياب، ثم يعود إلى أخيش.
وعندما كان أخيش يسأل داود: “أين غزوت اليوم؟” كان داود يجيب بذكاء: “لقد غزوت جنوب يهوذا، أو جنوب اليرحمئيليين، أو جنوب القينيين.” ولم يكن أخيش يعلم أن داود كان يهاجم أعداء إسرائيل، بل كان يعتقد أنه يهاجم أرض يهوذا، مما جعل أخيش يثق به أكثر. فقال أخيش في نفسه: “داود قد جعل نفسه مكروهًا لدى شعبه إسرائيل، ولن يعود إليهم أبدًا، وسيكون خادمًا لي إلى الأبد.”
لكن داود كان يعلم في قلبه أن الله معه، وأنه لن يتركه يضل طريقه. فكان يتذكر وعود الله له بأنه سيكون ملكًا على إسرائيل، وكان يعلم أن هذه الفترة هي اختبار لإيمانه وصبره. وفي كل يوم، كان داود يرفع صلاته إلى الله طالبًا الحكمة والقوة ليتخذ القرارات الصحيحة.
وفي إحدى الليالي، بينما كان داود جالسًا يفكر في خطوته التالية، سمع صوت الرب في قلبه يقول: “لا تخف، لأني معك. سأحميك وأقودك إلى المكان الذي أعددته لك.” فشعر داود بالسلام والاطمئنان، وعلم أن الله لن يتخلى عنه أبدًا.
وهكذا، استمر داود في العيش في صقلغ، منتظرًا الوقت الذي سيحدده الله ليكون ملكًا على إسرائيل. وكان يعلم أن كل ما يمر به الآن هو جزء من خطة الله العظيمة لتحقيق وعوده. فكان داود يثق في الرب بكل قلبه، ويعلم أن الله أمين في كل وعوده.