الكتاب المقدس

تجديد العهد مع الله في أورشليم

في الأيام التي تلت عودة الشعب اليهودي من السبي البابلي، اجتمع بنو إسرائيل في أورشليم تحت قيادة نحميا الكاتب وعزرا الكاهن. كان الشعب قد عاد إلى أرضه بعد سنوات طويلة من التشرد، وكانوا يعملون على إعادة بناء المدينة والهيكل. لكنهم أدركوا أن إعادة البناء المادي ليست كافية، بل يجب أن يعيدوا بناء علاقتهم مع الله أيضًا.

وفي يوم مشهود، اجتمع الشعب في ساحة الهيكل، رجالًا ونساءً وأطفالًا، ليُجددوا عهدهم مع الرب. كان الجو مليئًا بالرهبة والخشوع، وكأن روح الله تحل على المكان. وقف نحميا أمام الجمع، ورفع صوته ليقرأ عليهم كتاب الشريعة. وكان بجانبه عزرا الكاهن، الذي شرح للشعب معاني الكلمات حتى يفهموا ما يقرأ.

وبعد أن سمع الشعب كلام الرب، شعر الجميع بثقل الخطية التي ارتكبوها، سواء في السبي أو بعد العودة. فبدأوا يبكون ويتضرعون إلى الله طالبين المغفرة. لكن نحميا وعزرا شجعوهم قائلين: “لا تحزنوا، لأن فرح الرب هو قوتكم. اليوم هو يوم مقدس للرب، فاذهبوا وكلوا مما أعددتموه، واشربوا مما خزنتموه، وأرسلوا نصيبًا لمن لم يُعد شيئًا.”

ثم وقف نحميا مرة أخرى، وبدأ يقرأ على الشعب وثيقة العهد التي أعدوها لتجديد علاقتهم مع الله. كانت الوثيقة تحتوي على التزامات واضحة، ووعد الشعب بأن يلتزموا بها بكل إخلاص. وكان من بين الموقعين على الوثيقة نحميا نفسه، وعزرا الكاهن، ورؤساء الشعب، واللاويون، والكهنة، وجميع الشعب.

وكانت بنود العهد تشمل التزامات روحية وعملية. أولًا، تعهد الشعب بعدم الزواج من الشعوب الوثنية المحيطة بهم، حتى لا يقعوا في عبادة الأصنام. ثانيًا، وعدوا بحفظ السبت يوم الراحة، وعدم العمل فيه أو التجارة. ثالثًا، تعهدوا بدفع العشور والقرابين للهيكل، حتى يتمكن الكهنة واللاويون من القيام بخدمتهم دون انشغال بأمور العالم.

كما تعهد الشعب بتقديم الباكورات من محاصيلهم ومواشيهم للرب، كعلامة على شكرهم له على بركته. وكانوا يعلمون أن كل ما لديهم هو من عطية الله، فقرروا أن يعيدوا إليه جزءًا مما أعطاهم.

وبينما كان نحميا يقرأ بنود العهد، كان الشعب يستمع باهتمام، وقلوبهم مليئة بالرغبة في إرضاء الله. وعندما انتهى من القراءة، صرخ الجميع بصوت واحد: “آمين! آمين!” وكانت أصواتهم ترتفع إلى السماء، كأنها تصل إلى عرش الله نفسه.

ثم تقدم كل واحد من الشعب ليوقع على الوثيقة، بدءًا من نحميا وعزرا، مرورًا بالكهنة واللاويين، وانتهاءً بكل رجل وامرأة وطفل قادر على الفهم. وكانت لحظة مهيبة، حيث شعر الجميع بأنهم جزء من عائلة واحدة، ملتزمة بخدمة الرب.

وبعد أن تم التوقيع، أقام الشعب احتفالًا عظيمًا، حيث قدموا ذبائح الشكر للرب. وكانت رائحة البخور تملأ الهواء، وأصوات الترانيم تعلو، والقلوب تفيض بالفرح. وعندما انتهى الاحتفال، عاد كل واحد إلى بيته، لكنهم حملوا معهم روحًا جديدة من الالتزام والتفاني.

ومنذ ذلك اليوم، بدأ الشعب يعيش وفقًا لبنود العهد. كانوا يحفظون السبت بكل دقة، ويبتعدون عن الزواج من الوثنيين، ويقدمون العشور والقرابين بفرح. وكانت أورشليم تزداد قوة يومًا بعد يوم، ليس فقط في البناء المادي، بل في الإيمان والروحانية أيضًا.

وهكذا، أصبح يوم تجديد العهد علامة فارقة في تاريخ الشعب اليهودي. لقد أدركوا أن العودة إلى الأرض ليست كافية بدون العودة إلى الله. وكانت حياتهم الجديدة شهادة حية على نعمة الرب التي لا تنضب، وعلى قدرته على تجديد قلوب شعبه عندما يعودون إليه بكل إخلاص.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *