الكتاب المقدس

يسوع يعلم عن الطلاق والإيمان والأطفال والغنى

في إحدى الأيام، كان يسوع يُعلّم الجموع في منطقة اليهودية، وكانت الحشود تزدحم حوله ليسمعوا كلماته التي كانت مليئة بالحكمة والنعمة. كان الجو مشمسًا، والهواء ينقل عبير الزهور البرية التي تنتشر في المنطقة. كان الناس يأتون من كل مكان، بعضهم يحمل أطفالًا صغارًا، وآخرون يجرون إليه بقلوب مثقلة بالأسئلة والهموم.

وفي وسط هذا الجمع، اقترب إليه بعض الفريسيين، وهم يريدون أن يختبروه. فقالوا له: “هل يحل للرجل أن يطلّق امرأته؟” وكانوا يسألون هذا السؤال ليمتحنوه، لأنهم يعرفون أن الشريعة تتحدث عن الطلاق، لكنهم أرادوا أن يروا كيف سيجيب يسوع.

فنظر إليهم يسوع بعينين مليئتين بالحكمة والرحمة، وقال لهم: “ماذا أوصاكم موسى؟” فأجابوه: “سمح موسى أن يكتب كتاب طلاق فتطلّق المرأة.” فالتفت إليهم يسوع وقال: “إن موسى، من أجل قساوة قلوبكم، سمح لكم أن تطلّقوا نساءكم. ولكن من البدء لم يكن هكذا.”

ثم أضاف يسوع بصوت هادئ لكنه حازم: “لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسدًا واحدًا. إذًا ليسا بعد اثنين، بل جسد واحد. فالذي جمعه الله لا يفرّقه إنسان.”

فسكت الفريسيون، لأنهم أدركوا أن كلامه كان يتجاوز الشريعة المكتوبة إلى قلب العلاقة الزوجية كما خلقها الله منذ البدء. ثم توجه يسوع إلى تلاميذه وقال لهم: “من طلّق امرأته وتزوج بأخرى يزني عليها، وإن طلّقت امرأة من رجلها وتزوجت بآخر فإنها تزني.”

وفي تلك الأثناء، كان الناس يأتون بأطفالهم الصغار إلى يسوع ليلمسهم ويباركهم. ولكن التلاميذ، ظنًا منهم أن الأطفال قد يشغلون يسوع عن الأمور الأهم، كانوا يزجرونهم ويمنعونهم من الاقتراب. فلما رأى يسوع ذلك، اغتاظ وقال لتلاميذه: “دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله. الحق أقول لكم: من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله أبدًا.”

ثم أخذ يسوع الأطفال في أحضانه، ووضع يديه عليهم وباركهم. وكانت نظراته مليئة بالحب والحنان، وكأنه يريد أن يقول للجميع أن الإيمان البسيط والطاهر مثل إيمان الأطفال هو الطريق إلى الملكوت.

وبينما كان يسوع يستعد للمغادرة، جاء إليه شاب غني يجري وسجد أمامه وسأله: “يا معلم الصالح، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟” فنظر إليه يسوع وأحبّه، وقال له: “لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله. أنت تعرف الوصايا: لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تسلب، أكرم أباك وأمك.”

فأجاب الشاب: “يا معلم، هذه كلها حفظتها منذ حداثتي.” فنظر إليه يسوع مليًا، وكان قلبه يفيض بالحب لهذا الشاب الذي كان جادًا في سعيه نحو الله. فقال له: “يعوزك شيء واحد. اذهب بع كل ما تملكه ووزّعه على الفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني.”

فلما سمع الشاب هذا الكلام، تغيّر وجهه وذهب حزينًا، لأنه كان ذا أموال كثيرة. فنظر يسوع حوله وقال لتلاميذه: “ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله!” فدهش التلاميذ من كلامه، فقال لهم يسوع مرة أخرى: “يا بنيَّ، ما أعسر دخول المتكلين على الأموال إلى ملكوت الله! مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله.”

فازداد التلاميذ دهشة وقالوا فيما بينهم: “فمن يستطيع أن يخلص؟” فنظر إليهم يسوع وقال: “عند الناس غير مستطاع، ولكن ليس عند الله، لأن كل شيء مستطاع عند الله.”

فبدأ بطرس يقول ليسوع: “ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك.” فأجاب يسوع: “الحق أقول لكم: ليس أحد ترك بيتًا أو إخوة أو أخوات أو أبًا أو أمًا أو أولادًا أو حقولًا من أجلي ومن أجل الإنجيل، إلا ويأخذ مئة ضعف الآن في هذا الزمان، بيوتًا وإخوة وأخوات وأمهات وأولادًا وحقولًا مع اضطهادات، وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية. ولكن كثيرون أولون يكونون آخرين، وآخرون أولين.”

وهكذا، كان يسوع يُعلّم تلاميذه والجموع أن الحياة الحقيقية ليست في الممتلكات الأرضية، بل في الاتكال على الله واتباعه بقلب كامل. وكانت كلماته تلامس قلوب المستمعين، وتتركهم يتأملون في معنى الحياة الأبدية والإيمان الحقيقي.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *