في تلك الأيام، بعد أن استقرت الأرض فترة من الزمن، قام شعب إسرائيل بعمل الشر في عيني الرب مرة أخرى. فتركوا الرب إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر، وتبعوا آلهة أخرى من آلهة الشعوب التي حولهم، وسجدوا لها وأغاظوا الرب. فحمي غضب الرب على إسرائيل، وباعهم بيد الفلسطينيين وبيد بني عمون. فضايقوا وذلّوا بني إسرائيل ثماني عشرة سنة، ولا سيما في أرض جلعاد، تلك المنطقة الواقعة شرقي نهر الأردن، حيث كان بنو عمون يعبرون النهر ويحاربون يهوذا وبنيامين وبيت أفرايم، حتى صارت الضيقات شديدة على إسرائيل.
وفي تلك الأيام الصعبة، صرخ بنو إسرائيل إلى الرب طالبين الرحمة والنجاة. قالوا: “أخطأنا إليك لأننا تركنا إلهنا وعبدنا البعليم”. فأجابهم الرب: “أليس من المصريين والعموريين وبني عمون والفلسطينيين خلصتكم؟ وكذلك من الصيدونيين والعمالقة والمعونيين الذين ضايقوكم، فصرختم إليّ فخلصتكم من أيدهم. ولكنكم تركتموني وعبدتم آلهة أخرى، لذلك لا أعود أخلصكم. اذهبوا واصرخوا إلى الآلهة التي اخترتموها، فلعلها تخلصكم في وقت ضيقكم”.
فأجاب بنو إسرائيل الرب: “أخطأنا، فافعل بنا ما يحسن في عينيك، ولكن نجنا اليوم من أيدينا”. ثم طرحوا الآلهة الغريبة من وسطهم وعبدوا الرب، فتحنن على تعبهم. ورأى الرب أنهم قد تابوا حقًا، فلم يحتمل بعد أن يرى شدة ضيقهم.
وفي تلك الأثناء، تجمع بنو عمون ونزلوا ليحاربوا إسرائيل في جلعاد. فاجتمع شعب إسرائيل في منطقة تدعى “المصفاة”، وهي مكان مرتفع يطل على المنطقة المحيطة، وكانوا يختارونه غالبًا للاجتماعات الهامة. فقال شعب جلعاد بعضهم لبعض: “من هو الرجل الذي يبدأ الحرب ضد بني عمون؟ فهو يكون رئيسًا لجميع سكان جلعاد”. وكان هناك رجل جبار من جلعاد اسمه يفتاح، وكان ابنًا لامرأة زانية، وقد طرده إخوته من بيت أبيهم قائلين: “لا ترث في بيت أبينا لأنك ابن امرأة أجنبية”. فهرب يفتاح من وجه إخوته وسكن في أرض طوب، وهي منطقة قريبة من الصحراء، حيث اجتمع حوله رجال بسطاء وصاروا يخرجون معه في غزوات.
فلما سمع شيوخ جلعاد أن يفتاح قد صار قائدًا لرجال طوب، أرسلوا إليه يطلبون منه أن يأتي ويقودهم في الحرب ضد بني عمون. فقال يفتاح لشيوخ جلعاد: “ألستم أنتم الذين أبغضتموني وطردتموني من بيت أبي؟ فلماذا أتيتم إليّ الآن إذ ضاق بكم الأمر؟”. فأجاب شيوخ جلعاد: “لهذا السبب رجعنا إليك الآن، فتعال وكن قائدًا لنا ونحارب بني عمون”. فقال لهم يفتاح: “إن رجعتم بي لأحارب بني عمون، ودفعهم الرب أمامي، أأكون أنا رئيسًا لكم؟”. فأجاب شيوخ جلعاد: “الرب يكون شاهدًا بيننا إن لم نفعل كما تقول”. فذهب يفتاح مع شيوخ جلعاد، وجعله الشعب رئيسًا وقائدًا عليهم. وتكلم يفتاح بكل كلامه أمام الرب في المصفاة، حيث كان الشعب قد اجتمع للصلاة والاستعداد للحرب.
ثم أرسل يفتاح رسلًا إلى ملك بني عمون قائلًا: “ما لي ولك حتى أتيت إليّ لمحاربة أرضي؟”. فأجاب ملك بني عمون رسل يفتاح: “لأن إسرائيل أخذ أرضي عندما صعد من مصر، من أرنون إلى اليبوق وإلى الأردن. فالآن ردها بسلام”. فكرر يفتاح إرسال الرسل إلى ملك بني عمون قائلًا: “هكذا يقول يفتاح: لم يأخذ إسرائيل أرض موآب ولا أرض بني عمون. لأن إسرائيل عندما صعد من مصر، سار في البرية إلى بحر سوف، وجاء إلى قادش. ثم أرسل إسرائيل رسلًا إلى ملك أدوم قائلًا: دعني أعبر في أرضك. ولكن ملك أدوم لم يسمع. وأرسل أيضًا إلى ملك موآب، فلم يرضَ أيضًا. فمكث إسرائيل في قادش. ثم سار في البرية، ودار حول أرض أدوم وأرض موآب، وأتى من مشرق أرض موآب، فنزلوا عبر أرنون، ولم يدخلوا في تخم موآب، لأن أرنون هو تخم موآب. وأرسل إسرائيل رسلًا إلى سيحون ملك الأموريين، ملك حشبون، وقال له إسرائيل: دعنا نعبر في أرضك إلى مكاننا. ولكن سيحون لم يثق بإسرائيل أن يعبر في تخمه، بل جمع سيحون كل قومه ونزل إلى يحص، وحارب إسرائيل. فدفع الرب إله إسرائيل سيحون وكل قومه بيد إسرائيل، وضربوهم. فامتلك إسرائيل كل أرض الأموريين سكان تلك الأرض. وامتلكوا كل تخم الأموريين من أرنون إلى اليبوق، ومن البرية إلى الأردن. فالآن الرب إله إسرائيل قد طرد الأموريين من أمام شعبه إسرائيل، أفأنت تمتلكه؟ أما ما أعطاك إلهك كموش لتمتلكه، فنمتلك نحن كل ما طرده الرب إلهنا من أمامنا. والآن هل أنت أفضل من بالاق بن صفور ملك موآب؟ هل خاصم هو إسرائيل أو حاربهم؟ حين سكن إسرائيل في حشبون وقراها وفي عروعير وقراها وفي جميع المدن التي على أطراف أرنون ثلاث مئة سنة، فلماذا لم تستردوها في ذلك الوقت؟ فأنا لم أخطئ إليك، وأنت تفعل بي شرًا بمحاربتك إياي. ليقضِ الرب القاضي اليوم بين بني إسرائيل وبني عمون”.
ولكن ملك بني عمون لم يسمع لكلام يفتاح الذي أرسله إليه. فامتلأ يفتاح من روح الرب، وعبر جلعاد ومنسى، وعبر إلى المصفاة التي لجلعاد، ومن المصفاة التي لجلعاد عبر إلى بني عمون. ونذر يفتاح نذرًا للرب وقال: “إن دفعت بني عمون بيدي، فكل ما يخرج من أبواب بيتي للقائي عند رجوعي بالسلامة من عند بني عمون يكون للرب، وأصعده محرقة”. ثم عبر يفتاح إلى بني عمون لمحاربتهم، فدفعهم الرب بيده. فضربهم من عروعير إلى حيث تدخل إلى منيت عشرين مدينة، وإلى آبل كراميم، ضربة عظيمة جدًا. فذل بنو عمون أمام بني إسرائيل.
وجاء يفتاح إلى بيته في المصفاة، وإذا بابنته تخرج للقائه بدفوف ورقص، وهي وحيدة لم يكن له ابن ولا ابنة غيرها. فلما رآها مزق ثيابه وقال: “آه يا ابنتي، قد أخفضتني جدًا، وصرتِ أنتِ ممن يعكر صفوي، لأني قد فتحت فمي إلى الرب ولا أستطيع الرجوع”. فقالت له: “يا أبي، قد فتحت فمك إلى الرب، فافعل بي كما خرج من فمك، بعدما جعل الرب لك انتقامًا من أعدائك بني عمون”. ثم قالت لأبيها: “ليكن لي هذا الأمر: اتركني شهرين فأذهب وأنزل على الجبال وأبكي عذريتي أنا وصواحبي”. فقال: “اذهبي”. فأرسلها شهرين، فذهبت هي وصواحبيها وبكت عذريتها على الجبال. وفي نهاية الشهرين رجعت إلى أبيها، ففعل بها نذره الذي نذر. ولم تعرف رجلًا. فصارت عادة في إسرائيل أن بنات إسرائيل تذهبن كل سنة ليندبن ابنة يفتاح الجلعادي أربعة أيام في السنة.
وهكذا، بعد أن تاب بنو إسرائيل وصرخوا إلى الرب، استجاب لهم وأرسل لهم يفتاح ليقودهم في الحرب ضد بني عمون. وكان يفتاح رجلًا شجاعًا، لكنه أيضًا تعلم درسًا قاسيًا عن أهمية الحذر في النذور التي يُقدمها للرب. وبعد هذا النصر، عاد السلام إلى الأرض لفترة من الزمن، لكن قصة يفتاح وابنته بقيت تذكيرًا مؤلمًا عن الثمن الذي قد يدفعه الإنسان عندما يتسرع في كلماته أمام الله.