الكتاب المقدس

راحاب وجاسوسا أريحا: إيمان وشجاعة في ظل الأسوار

في تلك الأيام، عندما كان يشوع بن نون يستعد لقيادة شعب إسرائيل إلى أرض الموعد، أرسل جاسوسين سرًا إلى أريحا، المدينة المحصنة التي كانت تقف كحاجز بينهم وبين الأرض التي وعدهم الله بها. كان الهدف من هذه المهمة استكشاف المدينة وفهم نقاط قوتها وضعفها قبل التقدم نحوها.

خرج الجاسوسان من المعسكر ليلًا، متسللين عبر الظلام، حتى وصلا إلى أسوار أريحا. كانت المدينة محاطة بأسوار عالية وقوية، تبدو وكأنها لا تُقهر. لكنهما وجدا طريقة للدخول إلى المدينة من خلال بوابة صغيرة، حيث كان الحراس مشغولين بمراقبة الطرق الرئيسية. دخل الرجلان إلى المدينة واتجها إلى بيت امرأة تدعى راحاب، وهي امرأة تعمل في بيع الكتان وتشتهر بذكائها وحكمتها. كان بيتها ملاصقًا لسور المدينة، مما جعله مكانًا مناسبًا للاختباء.

عندما وصل الجاسوسان إلى بيت راحاب، استقبلتهما بحذر. كانت قد سمعت عن قوة إله إسرائيل وعن المعجزات التي صنعها لشعبه، مثل انشقاق البحر الأحمر وهزيمة الملوك العمالقة في شرق الأردن. آمنت راحاب بأن الله هو الإله الحقيقي، وأنه سيسلم أريحا إلى أيدي الإسرائيليين. لذلك، قررت أن تساعد الجاسوسين، معرضة حياتها للخطر.

في تلك الليلة، وصل خبر إلى ملك أريحا بأن جاسوسين من بني إسرائيل قد دخلوا المدينة. فأرسل جنوده للبحث عنهما، وأمرهم بالتفتيش في كل بيت. عندما وصل الجنود إلى بيت راحاب، طلبوا منها تسليم الرجلين. لكن راحاب، بذكاء وحكمة، أخفت الجاسوسين تحت حزم الكتان التي كانت مجهزة على السطح. ثم قالت للجنود: “نعم، جاء إليَّ رجلان، لكنني لا أعرف من أين هما. وقد خرجا عند غروب الشمس، قبل إغلاق البوابات. إذا أسرعتم، فلعلكم تلحقون بهما”.

صدق الجنود كلام راحاب واتجهوا خارج المدينة للبحث عن الجاسوسين، بينما بقيا هما مختبئين في بيتها. عندما هدأ الليل، صعدت راحاب إلى السطح حيث كان الجاسوسان مختبئين. تحدثت معهما بصراحة، قائلة: “أنا أعلم أن الرب قد أعطاكم هذه الأرض، وأن الخوف منكم قد سقط على جميع سكانها. لقد سمعنا كيف يبس الرب مياه البحر الأحمر أمامكم عندما خرجتم من مصر، وكيف هزمتم سيحون وعوج، ملكي الأموريين. عندما سمعنا بهذه الأخبار، ذاب قلبنا ولم تعد هناك روح في أحد منا بسببكم. لأن الرب إلهكم هو الله في السماء من فوق وعلى الأرض من تحت”.

ثم طلبت راحاب من الجاسوسين أن يعاهدوها بالحفاظ على حياتها وحياة عائلتها عندما يأتي اليوم الذي يستولي فيه الإسرائيليون على المدينة. وافقت الجاسوسان على طلبها، وأقسما لها بأنها ستُنقذ هي وكل من في بيتها، بشرط ألا تخبر أحدًا بمكانهما. وأعطاها علامة على هذا العهد: أن تعلق حبلًا قرمزيًا من نافذتها، وهو نفس الحبل الذي استخدمته لإنزالهما من السور ليهربا من المدينة.

في الليل، أنزلت راحاب الجاسوسين من نافذتها بحبل القرمزي، لأن بيتها كان ملاصقًا للسور. وأوصتهما أن يذهبا إلى الجبل ويختبئا هناك ثلاثة أيام حتى يعود الجنود الذين يبحثون عنهما إلى المدينة. ثم يمكنهما بعد ذلك العودة إلى معسكر إسرائيل بأمان. وعد الجاسوسان راحاب مرة أخرى بالوفاء بعهدهما، ثم غادرا متجهين نحو الجبل.

بعد ثلاثة أيام، عاد الجاسوسان إلى يشوع وأخبراه بكل ما حدث. قالا له: “حقًا، قد سلَّم الرب كل الأرض بأيدينا، وكل سكان الأرض قد ذاب قلوبهم من خوفنا”. وأخبراه أيضًا عن راحاب وكيف ساعدتهما، وطلبا من يشوع أن يحفظ العهد معها عندما يأتي الوقت لاحتلال المدينة.

وهكذا، كانت قصة راحاب مثالًا للإيمان والشجاعة، حيث آمنت بإله إسرائيل ووضعت حياتها على المحك من أجل خدمة شعب الله. وكانت هذه الحادثة بداية لسلسلة من الأحداث التي ستؤدي إلى سقوط أريحا واستيلاء بني إسرائيل على أرض الموعد، بقيادة يشوع وبقوة الله العظيم.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *