في الأيام القديمة، عندما كان شاول ملكًا على إسرائيل، تجمع الفلسطينيون وجيوشهم للحرب ضد إسرائيل. وكانوا قد نصبوا معسكرهم في شوكة، بينما نصب الإسرائيليون معسكرهم في وادي البطم. وكان بين الجيشين وادٍ عميق يفصل بينهما. وفي تلك الأيام، خرج من معسكر الفلسطينيين رجلٌ عملاق اسمه جليات، من مدينة جت. كان طوله ستة أذرع وشبر، وكان يرتدي درعًا ثقيلًا من النحاس، وخوذة نحاسية على رأسه، ودرعًا من الحراشف المتراصة، وكان يحمل رمحًا ضخمًا، وسيفًا كبيرًا. وكان جليات يصرخ كل يوم أمام جيش إسرائيل، متحديًا أي شخص أن يخرج لمبارزته.
وكان جليات يقف كل صباح ومساء، ويصرخ قائلًا: “لماذا تخرجون لتتراصوا للحرب؟ أنا فلسطيني وأنتم عبيد لشاول. اختاروا رجلًا منكم لينزل إليّ. فإن استطاع أن يحاربني ويقتلني، نكون لكم عبيدًا. ولكن إن غلبتُه وقتلتُه، تكونون لنا عبيدًا وتخدموننا.” وكان جيش إسرائيل يسمع هذه الكلمات ويرتعب، ولا يجرؤ أحد على مواجهة جليات.
وفي ذلك الوقت، كان داود، الفتى الشاب، ابن يسى البيتلحمي، يرعى غنم أبيه. وكان داود قد رُسِمَ ملكًا سرًا من قبل النبي صموئيل، لكنه لم يكن بعد قد تولى الحكم. وكان داود يتردد بين بيت لحم ومعسكر إسرائيل، حيث كان يحضر الطعام لإخوته الثلاثة الذين كانوا في الجيش. وفي أحد الأيام، سمع داود جليات وهو يصرخ بتحديه اليومي. ورأى رجال إسرائيل يفرون من وجه جليات، وهم يخافون منه.
فسأل داود الرجال الذين حوله: “ماذا يُفعل للرجل الذي يقتل هذا الفلسطيني ويزيل العار عن إسرائيل؟ من هو هذا الفلسطيني الأغلف حتى يعيّر صفوف الله الحي؟” فأجابه أحد الرجال: “إن الملك قد وعد بأن يغني الرجل الذي يقتل جليات، ويعطيه ابنته، ويجعل بيت أبيه حرًا في إسرائيل.”
فلما سمع داود هذا الكلام، قرر أن يواجه جليات. فذهب إلى الملك شاول وقال له: “لا يخاطر قلب أحد بسبب هذا الفلسطيني. عبدك سيمضي ويحارب هذا الرجل.” فنظر شاول إلى داود، الفتى الصغير، وقال له: “لا تقدر أن تذهب لمحاربة هذا الفلسطيني، لأنك فتى وهو رجل حرب من صباه.” فأجاب داود: “عبدك كان يرعى غنم أبيه، وإذا جاء أسد أو دب وأخذ شاة من القطيع، كنت أخرج وراءه وأضربه وأنقذ الشاة من فمه. وإن نهض عليّ، أمسك بلحيته وأضربه وأقتله. عبدك قد قتل الأسد والدب، وهذا الفلسطيني الأغلف يكون كواحد منهما، لأنه عيّر صفوف الله الحي.”
فقال شاول لداود: “اذهب، ولْيَكُنِ الرَّبُّ مَعَكَ.” ثم ألبس شاول داود درعه، ووضع على رأسه خوذة نحاسية، وأعطاه سيفًا. لكن داود لم يكن معتادًا على هذه الأسلحة، فقال: “لا أستطيع أن أمشي بهذه، لأني لم أجرّبها.” فخلعها عنه، وأخذ عصاه بيده، واختار خمسة حصاة ملساء من الوادي، ووضعها في جراب الراعي الذي معه، ومضى إلى جليات ومقلاعه بيده.
وعندما رأى جليات داود مقبلًا، نظر إليه بازدراء، لأنه كان فتى أشقر، حسن المنظر. فقال جليات لداود: “هل أنا كلب حتى تأتي إليّ بالعصي؟” ثم لعن جليات داود بآلهته، وقال: “تعالَ إليّ، فأعطي لحمك لطيور السماء ووحوش الأرض.”
فأجاب داود: “أنت تأتي إليّ بسيف ورمح وترس، أما أنا فآتي إليك باسم رب الجنود، إله صفوف إسرائيل الذي عيّرته. اليوم يحبسك الرب في يدي، وأضربك وأقطع رأسك، وأعطي جثث جيش الفلسطينيين لطيور السماء ووحوش الأرض، حتى يعلم كل الأرض أن لإسرائيل إلهًا. وكل هذا الجميع يعلمون أن الرب لا يخلّص بسيف ولا برمح، لأن الحرب للرب، وهو يدفعكم ليدنا.”
ثم ركض داود نحو جليات، وأخذ حصاة من جرابه، ووضعها في مقلاعه، ورمى بها بقوة. فاخترقت الحصاة جبهة جليات، فسقط على وجهه إلى الأرض. فهرع داود إلى جليات، وأخذ سيفه من غمده، وقطع رأسه به. فلما رأى الفلسطينيون أن بطلهم قد مات، هربوا. فقام رجال إسرائيل ويهوذا وهتفوا وتبعوا الفلسطينيين حتى مداخل جت وعقرون، فسقط جرحى الفلسطينيين في طريق شعاريم حتى جت وعقرون.
وبعد ذلك، أخذ داود رأس جليات وأتى به إلى أورشليم، ووضع سلاحه في خيمته. وهكذا انتصر داود على جليات بقوة الرب، وأصبح اسمه معروفًا في كل إسرائيل.