في الأيام القديمة، عندما كانت مملكة يهوذا تحت حكم الملك أمصيا بن يوآش، حدثت أحداث عظيمة تحمل في طياتها دروسًا وعبرًا لمن يتأمل فيها. كان أمصيا ملكًا يبلغ من العمر خمسًا وعشرين سنة عندما جلس على عرش يهوذا، وحكم في أورشليم تسعًا وعشرين سنة. وكان أمصيا رجلًا يعمل المستقيم في عيني الرب، لكن قلبه لم يكن كاملاً مع الله كقلب داود أبيه.
في بداية حكمه، قرر أمصيا أن يقوي جيشه ويعد العدة للحرب. فجمع رجال يهوذا ونظمهم حسب عشائرهم، وأعد جيشًا قويًا من ثلاثمائة ألف رجل، كلهم مختارون للقتال، يحملون الرماح والتروس. لكن أمصيا لم يكتفِ بذلك، بل استأجر أيضًا مئة ألف رجل من جيش إسرائيل، مقابل مئة وزنة من الفضة. كان هؤلاء الرجال من بني إسرائيل الشماليين، الذين انفصلوا عن مملكة يهوذا بعد انقسام المملكة.
لكن الله لم يكن راضيًا عن هذا القرار. فأرسل الله نبيًا إلى أمصيا ليقول له: “يا أيها الملك، لا تدع جيش إسرائيل يذهب معك، لأن الرب ليس مع إسرائيل، مع كل بني أفرايم. ولكن إن كنت تظن أنك ستقوى بهم، فإن الله سيطرحك أمام عدوك، لأن لله القوة للمساعدة وللإسقاط.”
فاستمع أمصيا لكلام النبي، وأطاع صوت الرب. فقال للرجال الذين جاءوا من إسرائيل: “ارجعوا إلى بيوتكم، فلا حاجة لي بكم في هذه الحرب.” فغضب الرجال الإسرائيليون جدًا وعادوا إلى ديارهم بغضب شديد.
ثم جهز أمصيا جيشه وتوجه لمحاربة بني أدوم في وادي الملح. وكان الرب معه، فانتصر عليهم انتصارًا عظيمًا. قتل أمصيا عشرة آلاف من بني أدوم، وأسر عشرة آلاف آخرين، وألقى بهم من أعلى الصخرة فماتوا جميعًا. وهكذا أظهر الله قوته من خلال أمصيا، عندما أطاع كلمته.
لكن بعد هذا الانتصار العظيم، تغير قلب أمصيا. فبدلاً من أن يشكر الله على النصرة، أخذ أصنام بني أدوم التي غنمها من الحرب، وجعلها آلهة له وسجد لها وأوقد لها بخورًا. فاشتعل غضب الرب على أمصيا، وأرسل إليه نبيًا آخر ليقول له: “لماذا طلبت آلهة شعب لم ينقذوا شعبهم من يدك؟”
فقال أمصيا للنبي: “هل جعلناك مستشارًا للملك؟ كف عن الكلام، وإلا أقتلك.” فأجاب النبي: “إنني أعلم أن الله قد عزم على إهلاكك، لأنك فعلت هذا ولم تسمع لمشورتي.”
وبعد هذه الحادثة، أرسل أمصيا رسالة إلى ملك إسرائيل، يهوآش بن يهوآحاز، يقول فيها: “تعال نتراءى وجهًا لوجه.” فأجابه يهوآش: “الشوكة التي في لبنان أرسلت إلى الأرزة التي في لبنان تقول: أعطي ابنتك لابني زوجة. فدخلت وحوش البرية التي في لبنان وداست الشوكة. ها أنت قد ضربت أدوم فرفع قلبك. افتخر واقعد في بيتك. لماذا تختلط بشر فتسقط أنت ويهوذا معك؟”
لكن أمصيا لم يسمع، لأن الله أراد أن يسلمه ليد أعدائه بسبب عبادة الأصنام. فخرج يهوآش ملك إسرائيل وتراءى مع أمصيا في بيت شمس التي ليهوذا. فهزم يهوآش أمصيا، وهرب جيش يهوذا كل واحد إلى خيمته. وأخذ يهوآش أمصيا وأتى به إلى أورشليم، وهدم سور أورشليم من باب أفرايم إلى باب الزاوية أربع مئة ذراع. وأخذ كل الذهب والفضة وكل الآنية الموجودة في بيت الله، وخزائن بيت الملك، والرهائن أيضًا، ورجع إلى السامرة.
وبقي أمصيا ملكًا على يهوذا بعد موت يهوآش ملك إسرائيل خمس عشرة سنة. لكن الشعب في أورشليم قاموا بثورة عليه، فهرب إلى لخيش. فأرسلوا وراءه إلى لخيش وقتلوه هناك. ثم حملوه على الخيل ودفنوه مع آبائه في مدينة داود.
وهكذا كانت نهاية أمصيا، الملك الذي بدأ بإطاعة الله، لكنه انتهى بعبادة الأصنام ورفض مشورة الرب. فكانت حياته درسًا لكل من يسمع: “الذي يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط.” لأن الله يقاوم المستكبرين، ويعطي نعمة للمتواضعين.