في الأيام التي تلت خروج بني إسرائيل من أرض مصر، وتجولهم في البرية، أوصى الرب موسى وهارون بوصية جديدة تتعلق بالطهارة والتقديس. وكانت هذه الوصية تتعلق بتقديم بقرة حمراء، وهي أمر غريب وعجيب، لكنه يحمل في طياته معاني عميقة تتعلق بخطية الإنسان وحاجته للتطهير.
فقال الرب لموسى: “أوصِ بني إسرائيل أن يأتوك ببقرة حمراء صحيحة، لا عيب فيها، ولم يُعلَ عليها نير.” وكانت هذه البقرة رمزًا للتضحية الكاملة، إذ لم تكن قد استُخدمت في أي عمل، بل كانت خالصة للرب. ثم أمر الرب أن تُؤخذ البقرة إلى خارج المحلة، إلى مكان طاهر، حيث يُذبحها الكاهن أمامه. وكان هذا الفعل يرمز إلى أن الخطية يجب أن تُزال بعيدًا عن المجتمع المقدس.
ثم يأخذ الكاهن من دم البقرة باصبعه، وينضح به سبع مرات نحو وجه خيمة الاجتماع. وكان هذا الرش يرمز إلى تطهير المكان المقدس من دنس الخطية. بعد ذلك، تُحرق البقرة بكاملها، مع خشب أرز وزوفا وقرمز. وكانت هذه المواد ترمز إلى التطهير والتجديد، إذ أن خشب الأرز يرمز إلى القوة، والزوفا إلى التواضع، والقرمز إلى دم التضحية.
وبينما كانت البقرة تحترق، كان الكاهن يلقي بكل هذه المواد في وسط النار. وكان الدخان المتصاعد يملأ الجو برائحة قوية، تذكر الشعب بخطاياهم وحاجتهم للتطهير. وبعد أن تحترق البقرة تمامًا، كان الكاهن يجمع رمادها ويضعه في مكان طاهر خارج المحلة، ليكون هذا الرماد ماء للتطهير، يُستخدم في تطهير الذين تنجسوا بلمس الموتى.
وكانت هذه الطقوس ترمز إلى حاجة الإنسان الدائمة للتطهير من خطاياه. فكما أن الموت يرمز إلى دينونة الخطية، كان على الشعب أن يتطهر من كل ما يذكرهم بالموت. وكان الرماد الممزوج بالماء يُستخدم لرش الذين تنجسوا، فيصبحون طاهرين مرة أخرى.
وفي أحد الأيام، حدث أن رجلًا من بني إسرائيل مات في خيمته. فذهب أقاربه ليدفنوه، ولكنهم تنجسوا بلمس الجثة. وعندما عادوا إلى المحلة، أدركوا أنهم غير قادرين على الاقتراب من خيمة الاجتماع أو المشاركة في أي طقس مقدس حتى يتطهروا. فذهبوا إلى الكاهن وأخبروه بما حدث.
فأمر الكاهن بإحضار رماد البقرة الحمراء، وخلطه بماء حي في إناء. ثم أخذ زوفا وغمسه في الماء، ورشه على الخيمة وعلى كل الأواني والأشخاص الذين تنجسوا. وكان هذا الرش يرمز إلى تطهيرهم من دنس الموت، وإعادتهم إلى حالة الطهارة.
وبعد أن تمت هذه الطقوس، شعر الشعب بالراحة والسلام، إذ أدركوا أن الرب قد وفر لهم وسيلة للتطهير من خطاياهم. وكانت هذه الوصية تذكرهم دائمًا بقداسة الله، وبحاجتهم الدائمة للتوبة والتطهير.
وهكذا، كانت بقرة الحمراء رمزًا للتضحية الكاملة التي تزيل دنس الخطية، وتعيد الإنسان إلى حالة الطهارة. وكانت هذه الوصية تذكيرًا دائمًا لبني إسرائيل بأنهم شعب مقدس، مدعوون ليعيشوا في طهارة وقداسة أمام الرب.