الكتاب المقدس

صرخة آساف: رجاء في ظل الدمار

في الأيام القديمة، عندما كانت مملكة إسرائيل تعاني من الضيق والدمار، كتب آساف، أحد مرنمي داود، مزمورًا يعبر فيه عن حزن الشعب وألمه من دمار الهيكل المقدس وتدنيس الأعداء للأماكن المقدسة. كان هذا المزمور، المزمور الرابع والسبعون، صرخة إلى الله طالبة النجاة والعدل.

في تلك الأيام، اجتاحت جيوش الأعداء أرض إسرائيل، ودخلوا إلى أورشليم، المدينة المقدسة، التي كانت تعتبر مسكن الله بين شعبه. دخل الأعداء إلى الهيكل، المكان الذي كان يعتبر أقدس الأماكن على الأرض، حيث كان تابوت العهد يحفظ، وحيث كان الكهنة يقدمون الذبائح لله. لكن الأعداء لم يقدروا قدسية المكان، فدنسوه بأقدامهم، وكسروا الأبواب المزخرفة، وأحرقوا الخشب المنحوت بزخارف جميلة، وحطموا الأعمدة التي كانت تزين المكان.

كان الهيكل، الذي كان يومًا ما مكانًا للعبادة والسلام، قد تحول إلى خراب. النار التهمت كل ما كان جميلًا، والدخان الأسود ارتفع إلى السماء كعلامة على الدمار. الأعداء صرخوا بفرح وسط الخراب، ورفعوا أصواتهم ساخرين من إله إسرائيل، قائلين: “أين هو إلهكم؟ لماذا لم ينقذكم؟”

آساف، الذي كان يشاهد هذا المشهد المؤلم، رفع صوته إلى الله في صلاة مليئة بالحزن واليأس. قال: “يا الله، لماذا رفضتنا إلى الأبد؟ لماذا يدخن غضبك على غنم مرعاك؟ اذكر جماعتك التي اقتنيتها منذ القديم، وفديتها لتكون سبط ميراثك. اذكر جبل صهيون هذا الذي سكنت فيه. ارفع خطواتك إلى الخراب الأبدي. كل شيء قد أفسده العدو في المقدس. صرخ أعداؤك في وسط محفلك. جعلوا علاماتهم علامات. ظهروا كالذي يرفع فؤوسه في غابة الأغصان. وكسروا الآن كل نقشها معًا بالفؤوس والمعاول. أحرقوا كل مساكن الله في الأرض.”

كان آساف يتذكر الأيام الماضية، عندما كان الله يعمل عجائب في وسط شعبه. كان يتذكر كيف شق البحر الأحمر أمام موسى وشعب إسرائيل، وكيف سحق رؤوس التنانين في المياه، وكيف أعطى الماء من الصخرة في البرية. لكن الآن، بدا وكأن الله قد تخلى عن شعبه، وتركهم ليواجهوا مصيرهم بمفردهم.

ثم توجه آساف إلى الله بطلب واضح: “لا تسلم وحش نفسك، ولا تنس حياة مساكينك إلى الأبد. انظر إلى العهد، لأن مساكن الأرض المظلمة امتلأت من مساكن الظلم. لا يرجع المقهور خائبًا. ليُرفع المسكين والبائس، وليسبحا اسمك.”

كان آساف يؤمن بأن الله، الذي خلق السماوات والأرض، والذي سحق رؤوس التنانين في المياه، قادر على أن ينقذ شعبه مرة أخرى. كان يؤمن بأن الله لن يترك أعداءه يستهزئون به إلى الأبد، وأنه سيقوم ليدافع عن شعبه ويعيد بناء ما دمر.

وفي النهاية، رفع آساف صوته بتسبيح، معترفًا بقوة الله وسلطانه: “الله ملكي منذ القدم، عاملاً الخلاص في وسط الأرض. أنت شققت البحر بقوتك. كسرت رؤوس التنانين على المياه. أنت سحقت رؤوس لوياثان. جعلته طعامًا للشعب، للسكان في البرية. أنت فجرت ينابيع وأودية. أنت أذهبت أنهارًا دائمة. لك النهار أيضًا، والليل. أنت هيأت النور والشمس. أنت وضعت جميع تخوم الأرض. الصيف والشتاء أنت جعلتهما.”

وهكذا، انتهى المزمور بصلاة مليئة بالرجاء، حيث كان آساف يؤمن بأن الله، الذي خلق العالم ويسيطر على كل شيء، لن يتخلى عن شعبه إلى الأبد. كان يؤمن بأن الله سيقوم ليدافع عنهم، وسيعيد بناء ما دمر، وسيعيد المجد إلى أورشليم والهيكل.

وهكذا، بقيت كلمات هذا المزمور تتردد في قلوب المؤمنين عبر الأجيال، تذكرهم بأن الله، حتى في أحلك الأوقات، هو ملكهم وملجأهم، وأنه لن يتخلى عنهم أبدًا.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *