في الأيام القديمة، عندما كانت مملكة يهوذا تعيش في أيامها الأخيرة قبل السبي، تكلم الرب بإشعياء النبي، ابن آموص، برسالة قوية ومليئة بالتحذيرات والوعود. كانت الأرض تعاني من الفساد والظلم، والشعب الذي اختاره الرب قد ابتعد عن طريقه، فجاءت كلمات الرب كصوت عالٍ يهز الضمائر وينير القلوب.
كانت أورشليم، المدينة المقدسة، قد تحولت إلى مكان مليء بالخطيئة. الشعب الذي كان يفترض أن يكون نورًا للأمم، أصبح يعيش في الظلام. كانوا يقدمون الذبائح ويحتفلون بالأعياد، ولكن قلوبهم كانت بعيدة عن الرب. كانت طقوسهم فارغة، لأنهم لم يعيشوا بالبر والعدل الذي يطلبه الله. فصعدت صلواتهم كدخان كثيف، لكنها لم تصل إلى عرش السماء، لأن أيديهم كانت ملطخة بالدماء والظلم.
وفي يوم من الأيام، وقف إشعياء في وسط المدينة، ورفع صوته كصوت البوق، قائلًا: “اسمعوا أيها السماوات، وأصغي أيتها الأرض، لأن الرب يتكلم. ربيت بنين ونشأتهم، أما هم فعصوا عليّ. الثور يعرف قانيه، والحمار معلف صاحبه، أما إسرائيل فلا يعرف، شعبي لا يفهم.”
كانت كلمات الرب مليئة بالألم، كأب يحزن على أبنائه الذين تركوه. لقد أعطاهم كل شيء، لكنهم استبدلوا مجده بأصنام باطلة، وملأوا الأرض بالشر. كانت خطاياهم كحمل ثقيل، جعلتهم يترنحون تحت وطأة الدينونة. حتى أن مدنهم كانت محروقة بالنار، وأرضهم أصبحت خرابًا. لولا نعمة الرب، لكانوا قد أُبيدوا تمامًا كسدوم وعمورة.
لكن في وسط هذا الغضب، كانت هناك نفحة من الرحمة. فصوت الرب لم يكن فقط صوت دينونة، بل كان أيضًا صوت محبة ورجاء. قال الرب: “اغتسلوا، تنقوا، اعزلوا شر أعمالكم من أمام عيني، كفوا عن فعل الشر. تعلموا فعل الخير، اطلبوا العدل، أنصفوا المظلوم، اقضوا لليتيم، حاموا عن الأرملة.”
كانت هذه دعوة للتوبة، دعوة للعودة إلى الرب. لقد وعدهم بأنه إذا تابوا وعادوا إليه، فإن خطاياهم التي كاللون القرمزي ستُبيض كالثلج، وإن كانت حمراء كالدودي، تصير كالصوف. ولكن إذا أصرّوا على عنادهم، فإن السيف سيأكلهم، لأن فم الرب قد تكلم.
وفي النهاية، كانت الرسالة واضحة: الرب يريد قلبًا نقيًا، وليس طقوسًا فارغة. يريد عدلًا ورحمة، وليس ذبائح بلا معنى. لقد دعاهم ليكونوا شعبًا مقدسًا، يعكسون قداسته في كل ما يفعلون.
وهكذا، وقف إشعياء كرسول الرب، ينقل كلمات مليئة بالحزن والأمل. كانت الأيام صعبة، ولكن نور الرب كان لا يزال يلمع في الأفق، منتظرًا أن يعود شعبه إليه بقلوب تائبة ومتضعة.