بسم الله الرحمن الرحيم
في قديم الزمان، عندما كان بنو إسرائيل يسيرون في البرية بعد خروجهم من أرض مصر، حدثت أحداث عظيمة تُظهر نعمة الله ورحمته، وكذلك تُظهر عصيان الإنسان وضعفه. هذه القصة مذكورة في المزمور 106، الذي يروي تاريخ شعب الله وتقلباتهم بين الطاعة والعصيان.
كان بنو إسرائيل قد شاهدوا عجائب الله العظيمة في مصر، عندما ضرب الأرض بالضربات العشر، وشق لهم البحر الأحمر ليعبروا على أرض يابسة، بينما أغرق فرعون وجنوده في اليم. لكنهم سرعان ما نسوا هذه المعجزات وبدأوا يتذمرون ضد الله. في البرية، حيث كانوا يسيرون نحو أرض الميعاد، بدأوا يشكون في رعاية الله لهم. قالوا: “لِمَ أخرجنا الله من مصر ليموتنا في هذه البرية؟ أين الطعام؟ أين الماء؟” ونسوا أن الله هو الذي أطعمهم المن من السماء وسقاهم الماء من الصخر.
وفي إحدى المرات، عندما تأخر موسى على الجبل ليستلم لوحي الشريعة، ارتد الشعب عن الله وصنعوا عجلاً من الذهب وعبدوه. قالوا: “هذا هو إلهك يا إسرائيل الذي أخرجك من أرض مصر!” فغضب الله عليهم وأراد أن يفنيهم، لكن موسى توسل إليه قائلاً: “يا رب، اغفر لهم ولا تهلك شعبك الذي خلصته بقوة عظيمة.” فاستجاب الله لصلاة موسى ولم يفنيهم، لكنه أرسل عليهم داءً كعقاب على عصيانهم.
ومع ذلك، لم يتعلم بنو إسرائيل من أخطائهم. ففي مرات عديدة، عصوا أوامر الله ورفضوا أن يدخلوا أرض الميعاد خوفًا من سكانها الأقوياء. فحلف الله ألا يدخل الجيل الذي خرج من مصر الأرض المقدسة، بل يتيهون في البرية أربعين سنة حتى يموت الجميع ما عدا يشوع وكالب، اللذين أظهرا إيمانًا بالله.
وفي البرية، ارتكب بنو إسرائيل خطايا عديدة. تذمروا على الله وعلى موسى، ورفضوا أن يطيعوا وصاياه. بل إنهم عبدوا آلهة غريبة ومارسوا طقوسًا وثنية. فغضب الله عليهم وأرسل عليهم حيوانات سامة وعقارب لتعذبهم. لكن كلما صرخوا إلى الله، كان يستجيب لهم ويخلصهم من ضيقهم، لأنه رحيم وحنون.
وفي النهاية، بعد أربعين سنة من التيه، دخل الجيل الجديد أرض الميعاد بقيادة يشوع. ورغم كل ما فعله الله من أجلهم، عادوا وعصوا مرة أخرى. عبدوا آلهة الشعوب المجاورة، وتزاوجوا معهم، ونسوا عهد الله. فأرسل الله عليهم أعداءً ليذلّوهم، لكن كلما تابوا، كان يخلصهم.
هذه القصة تُظهر لنا أن الله رحيم وغفور، لكنه أيضًا عادل وقدوس. فهو لا يتغاضى عن الخطية، لكنه دائمًا مستعد أن يغفر للتائبين. بنو إسرائيل، رغم كل ما رأوه من عجائب، كانوا يعصون مرارًا وتكرارًا، لكن محبة الله كانت أعظم من خطاياهم.
فليكن هذا درسًا لنا، أن نثبت في إيماننا ولا ننسى أعمال الله العظيمة في حياتنا. ولنطلب منه دائمًا أن يقوّي إيماننا ويحفظنا من الوقوع في الخطية. لأنه هو الإله الأمين الذي لا يتخلى عن شعبه، حتى عندما يخطئون.