في تلك الأيام القديمة، عندما كانت الأرض لا تزال تحمل أسرارًا عميقة، وكان الناس يتحدثون عن الله بقلوب مليئة بالرهبة والخشوع، كان هناك رجلٌ يُدعى أيوب. كان أيوب رجلًا بارًا، يتقي الله ويحيد عن الشر. لكن في يومٍ من الأيام، اجتمع أصدقاؤه حوله ليقدموا له النصح والتعزية في محنته التي ألمت به. وكان بينهم رجلٌ يُدعى صوفر النعماتي، الذي كان معروفًا بحكمته وفصاحته.
وقف صوفر أمام أيوب، ونظر إليه بعينين مليئتين بالحزن والقلق. ثم بدأ يتحدث بصوتٍ عميقٍ ومليءٍ بالحكمة، قائلًا: “اسمع يا أيوب، كلماتي التي ألقيها عليك. إن قلبي يدفعني لأتكلم، وروحي يحركني لأعبر عن ما بداخلي. اسمعني جيدًا، لأنني سأقول لك ما أعرفه عن مصير الأشرار.”
ثم أخذ صوفر يتحدث بتفصيلٍ شديد، وكأنه يرسم صورةً حيةً لمصير الذين يختارون طريق الشر. قال: “هل سمعت يومًا عن فرح الأشرار؟ إنه فرحٌ قصير، كزهرةٍ تذبل تحت أشعة الشمس الحارقة. إن مجدهم يزول كالدخان الذي يتصاعد في الهواء ثم يختفي. حتى لو ارتفعوا إلى عنان السماء، ووصلت رؤوسهم إلى السحاب، فإنهم في النهاية سيهلكون كالزبل، ولن يعود لهم وجود.”
ثم واصل صوفر حديثه، واصفًا كيف أن الأشرار، رغم قوتهم وثروتهم، لا يستطيعون الهروب من دينونة الله. قال: “إنهم يأكلون لذاتهم، لكن طعامهم يتحول إلى مرارة في بطونهم. يشربون الخمر، لكنه يصير سمًا في عروقهم. إنهم يجمعون الثروة، لكنها تتبخر كالماء في الصحراء. حتى أولادهم ينسونهم، وأموالهم تذهب إلى الغرباء.”
ثم أضاف صوفر بتأكيدٍ قاطع: “إن الله لا يترك الأشرار دون عقاب. إنه يراهم، ويعلم أفعالهم. حتى لو حاولوا الاختباء في الظلام، فإن نور الله سيصل إليهم. إنهم يسقطون في الفخاخ التي نصبوا لأنفسهم، ويصطادون أنفسهم بشباكهم الخاصة.”
وتحدث صوفر عن كيفية تحول فرح الأشرار إلى حزن، وغناهم إلى فقر. قال: “إنهم يمتلئون بالكبرياء، لكنهم يسقطون في الحفرة التي حفروها لأقدامهم. إنهم يبنون بيوتهم على الرمال، وعندما تأتي العاصفة، تتهاوى بيوتهم وتصير ركامًا. إنهم يزرعون الشر، ويحصدون الدمار.”
ثم ختم صوفر حديثه بقوة، قائلًا: “هذا هو مصير الأشرار، يا أيوب. إنهم يبدؤون قويين، لكنهم ينتهون ضعفاء. يبدؤون أغنياء، لكنهم ينتهون فقراء. يبدؤون بفرح، لكنهم ينتهون بحزن. لأن الله عادل، ولا يترك الشر دون عقاب.”
وبعد أن انتهى صوفر من حديثه، ساد صمتٌ ثقيلٌ في المكان. كان أيوب يستمع باهتمام، لكن قلبه كان ممتلئًا بالأسئلة. كان يعلم أن الله عادل، لكنه كان يتساءل عن سبب معاناته هو، وهو الذي كان يتقي الله ويحيد عن الشر. لكنه قرر أن يبقى صامدًا في إيمانه، منتظرًا أن يكشف الله له الحكمة من وراء كل ما يمر به.
وهكذا، كانت كلمات صوفر تذكيرًا قويًا بعدالة الله، لكنها أيضًا كانت تحديًا لأيوب ليظل متمسكًا بإيمانه، حتى في أحلك الأوقات.