في الأيام القديمة، عندما كانت مملكة يهوذا تعاني من الفساد والظلم، وقف النبي حبقوق ليصرخ إلى الرب بقلب ملتهب بالأسى والحزن. كان حبقوق رجلاً تقياً، يحمل في قلبه هموم شعبه، ويرى الشر ينتشر في الأرض كالنار التي تلتهم كل شيء في طريقها. كان يرى الظلم يسود، والقوي يظلم الضعيف، ولا أحد يوقف هذا الفساد.
فرفع حبقوق صوته إلى السماء وقال: “يا رب، إلى متى أدعو وأنت لا تسمع؟ إلى متى أصرخ إليك من أجل الظلم، وأنت لا تخلص؟ لماذا تريني الشر وتعطيني أن أنظر إلى المشقة؟ فالنهب والظلم أمام عينيَّ، وتوجد مخاصمة وتنازع. لذلك تفشل الشريعة، ولا يخرج الحق إلى النور أبداً، لأن الشرير يحيط بالصديق، لذلك يخرج الحكم معوَّجاً.”
كانت كلمات حبقوق مليئة بالحزن واليأس، فهو لا يفهم كيف يسمح الرب بانتشار الشر بهذا الشكل. كان يتساءل في قلبه: “أين عدلك يا رب؟ أين قضاؤك العادل؟ لماذا تترك الأشرار ينتصرون والأبرياء يعانون؟”
وفي وسط هذه الصرخة، أجاب الرب حبقوق. نزلت كلمة الرب إليه، وقالت: “انظروا بين الأمم وابصروا، وتحيَّروا وتحيروا جداً، لأني عاملاً عملاً في أيامكم لا تصدقون به إن أخبر به. لأني هأنذا مقيم الكلدانيين، الأمة المريرة العاجلة، الماشية في عرض الأرض لتمتلك مساكن ليست لها.”
كانت إجابة الرب صادمة لحبقوق. فالرب أخبره أنه سيستخدم الكلدانيين، وهم أمة قوية ووحشية، لتأديب يهوذا بسبب خطاياهم. كان الكلدانيون معروفين بقسوتهم وقوتهم العسكرية، وكانوا سيأتون كعاصفة لا تُقاوم ليعاقبوا شعب يهوذا.
فسأل حبقوق في قلبه: “كيف يمكن أن يستخدم الرب أمة شريرة مثل الكلدانيين لتأديب شعبك؟ أليسوا هم أكثر شراً منا؟ أليسوا يعبدون الأصنام ويسفكون الدماء بلا رحمة؟”
ثم تابع الرب كلامه، ووصف قوة الكلدانيين وقال: “هم可怕 وخوفون. من عندهم يخرج حكمهم وعظمتهم. وخيلهم أسرع من النمور، وأحد من ذئاب المساء. وفرسانهم ينتشرون، وفرسانهم يأتون من بعيد. يطيرون كالنسر المسرع إلى الأكل. جميعهم يأتون للظلم. وجههم إلى الأمام، ويجمعون السبي كالرمل. وهم على الملوك يستهزئون، والرؤساء ضحكة لهم. يضحكون على كل حصن، لأنهم يكبسون التراب ويأخذونه. ثم يعبرون كالريح ويذهبون. هؤلاء قد جعلوا قوتهم إلهاً لهم.”
كانت هذه الكلمات تملأ قلب حبقوق بالرهبة. فالكلدانيون سيأتون كقوة لا تُقاوم، وسيُدمرون كل شيء في طريقهم. لكن حبقوق لم يفهم كيف يمكن أن يستخدم الرب أمة شريرة لتأديب شعبه. فرفع صوته مرة أخرى إلى الرب وقال: “ألست أنت منذ الأزل يا رب إلهي قدوسي؟ لا نموت. يا رب، للحكم جعلتهم، يا صخرة، للتأديب أسستهم. عيناك أطهر من أن تنظرا الشر، ولا تستطيع النظر إلى الجور. فلماذا تنظر إلى الغادرين، وتصمت عند ابتلاع الشرير من هو أبر منه؟”
كان حبقوق في حيرة من أمره. فهو يعلم أن الرب قدوس وعادل، ولا يمكن أن يتسامح مع الشر. لكنه لا يفلم كيف يمكن أن يسمح بظهور الكلدانيين الأشرار. فطلب من الرب أن يوضح له الأمر، وأن يريه العدل الإلهي في كل هذا.
ثم انتظر حبقوق بقلب مليء بالإيمان، وهو يعلم أن الرب سيجيبه. فالله لا يتخلى عن شعبه، ولديه خطة عظيمة حتى في وسط الظلام. وكان حبقوق مستعداً لأن يسمع كلمة الرب، ويُعلنها لشعبه، حتى وإن كانت صعبة الفهم.
وهكذا، بقي حبقوق واقفاً أمام الرب، منتظراً أن يكشف له المزيد عن قصده الإلهي. لأنه يعلم أن الرب عادل، وأن كل ما يفعله هو لخير شعبه، حتى وإن بدا الأمر غامضاً في البداية.