الكتاب المقدس

سر الحكمة الإلهية في رسالة بولس إلى أهل كورنثوس

في مدينة كورنثوس، حيث كانت الكنيسة الناشئة تواجه تحديات كثيرة، كتب الرسول بولس رسالة مليئة بالحكمة والإرشاد. وفي الأصحاح الثاني من رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، تحدث بولس عن سرّ الحكمة الإلهية وكيف أن الله يكشف لنا أمورًا عميقة لا يستطيع العقل البشري أن يفهمها بمفرده.

بدأ بولس حديثه بتذكير المؤمنين بأنه لم يأتِ إليهم بكلام بليغ أو بحكمة بشرية عالية، بل جاء برسالة بسيطة لكنها قوية: رسالة الصليب. قال لهم: “وَأَنَا أَيْضًا إِذْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، لَمْ أَجِئْ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ مُنَادِيًا لَكُمْ بِشَهَادَةِ اللهِ. لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إِلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا.” (1 كورنثوس 2: 1-2). كان بولس يعلم أن قوة الإنجيل لا تكمن في بلاغة الكلام، بل في عمل الروح القدس الذي يلمس القلوب ويغير الحياة.

ثم واصل بولس حديثه موضحًا أنه كان بينهم في ضعف وخوف ورعدة كثيرة، ولم يعتمد على حكمته البشرية، بل على قوة الله. قال: “وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ، بَلْ بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ، لِكَيْ لاَ يَكُونَ إِيمَانُكُمْ بِحِكْمَةِ النَّاسِ، بَلْ بِقُوَّةِ اللهِ.” (1 كورنثوس 2: 4-5). أراد بولس أن يعلمهم أن الإيمان الحقيقي لا يقوم على حجج بشرية، بل على عمل الله الفعّال في قلوب المؤمنين.

ثم انتقل بولس إلى الحديث عن الحكمة الإلهية العميقة التي لا يفهمها إلا الذين يسلكون بالروح. قال: “لَكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ، وَلَكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الدَّهْرِ، وَلاَ مِنْ عُظَمَاءِ هَذَا الدَّهْرِ الَّذِينَ يُبْطَلُونَ. بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرٍّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا.” (1 كورنثوس 2: 6-7). كانت هذه الحكمة هي سرّ خطة الله الفدائية التي أعدها منذ الأزل، والتي تمت في المسيح يسوع.

وأكمل بولس قائلاً: “الَّتِي لَمْ يَعْرِفْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هَذَا الدَّهْرِ، لأَنَّهُمْ لَوْ عَرَفُوهَا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ.” (1 كورنثوس 2: 8). لو فهم قادة العالم وحكماؤه سرّ حكمة الله، لما صلبوا المسيح، لأنهم لم يدركوا أن الصليب كان طريق المجد والفداء.

ثم أوضح بولس أن هذه الحكمة لا تُفهم إلا بالروح القدس، الذي يكشف لنا أعماق الله. قال: “لأَنَّ الرُّوحَ يُفَتِّشُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ.” (1 كورنثوس 2: 10). الروح القدس هو الذي يعرف أفكار الله ويعلنها لنا، لأنه وحده يعرف أعماق الله. وأضاف: “لأَنْ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟ هكَذَا أَيْضًا أُمُورُ اللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللهِ.” (1 كورنثوس 2: 11).

ثم ختم بولس هذا الجزء من رسالته بتأكيد أن المؤمنين الحقيقيين، الذين قبلوا الروح القدس، قد نالوا فهمًا روحيًا لأمور الله. قال: “وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ.” (1 كورنثوس 2: 12). وأضاف: “الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَالٍ تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ.” (1 كورنثوس 2: 13).

وأخيرًا، أكد بولس أن الإنسان الطبيعي، الذي لا يملك الروح القدس، لا يستطيع أن يفهم أمور الله، لأنها تُحكَم عليها بالجهالة عنده. قال: “وَأَمَّا الإِنْسَانُ الطَّبِيعِيُّ فَلاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ، لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ، لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا.” (1 كورنثوس 2: 14). ولكن المؤمن، الذي يسلك بالروح، يستطيع أن يحكم على كل شيء، لأنه قد نال عقل المسيح. قال: “أَمَّا الرُّوحِيُّ فَيَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ لاَ يُحْكَمُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ. لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ فَيُعَلِّمُهُ؟ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ.” (1 كورنثوس 2: 15-16).

وهكذا، ختم بولس هذا الجزء من رسالته بتذكير المؤمنين في كورنثوس بأن الحكمة الحقيقية تأتي من الله، وأنها تُفهم فقط بالروح القدس. ودعاهم إلى أن يسلكوا بالروح، وأن يطلبوا فهم أعماق الله، لأنهم قد نالوا عقل المسيح، الذي يكشف لهم أسرار ملكوت الله.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *