في الأيام القديمة، عندما كانت مملكة يهوذا تعيش في فترة من الاضطراب الروحي والانحراف عن طريق الرب، تنبأ النبي إشعياء بكلمات مليئة بالرؤى الإلهية والتحذيرات. وفي الإصحاح الرابع والأربعين من سفر إشعياء، نجد رسالة قوية من الرب لشعبه، تذكرهم بمحبته الأبدية ورعايته لهم، وتفضح في الوقت نفسه عبادة الأصنام والجهل الروحي الذي كانوا يمارسونه.
بدأ إشعياء حديثه بصوت مليء بالسلطان الإلهي، قائلاً: “اسمعوا لي يا بيت يعقوب، وكل بقية من إسرائيل، الذين حملتهم من البطن، وحملتهم من الرحم. إلى شيخوختكم أنا هو، وإلى الشيب أنا أحمل. قد حملتكم وأنا أفعل، وأنا أحمل وأنجي.” كانت كلمات الرب تفيض بالرعاية الأبوية، مؤكدة أنه هو الذي خلقهم وهو الذي سيحفظهم حتى النهاية. كان الرب يذكرهم بأنه هو المصدر الوحيد للحياة والقوة، وأنه لا يوجد إله غيره.
ثم واصل إشعياء كلامه، واصفاً كيف أن الرب هو الخالق الوحيد، الذي صنع السماوات والأرض، وهو الذي يسيطر على كل شيء. قال: “هكذا يقول الرب، ملك إسرائيل وفاديه، رب الجنود: أنا الأول وأنا الآخر، ولا إله غيري.” كانت هذه الكلمات تعلن تفرد الرب وعظمته، وتذكر الشعب بأنه لا يوجد من يستحق العبادة سواه.
لكن إشعياء لم يتوقف عند هذا الحد، بل واصل كشف حماقة الذين يعبدون الأصنام. قال: “من يشبهني فليدعُ ويخبرني ويبين لي ما حدث منذ أن أسست الشعب القديم. وأخبروهم بما يأتي وما سيأتي.” كان الرب يتحدى كل من يدعي وجود آلهة أخرى، مؤكداً أنه لا يوجد من يستطيع أن يفعل ما يفعله، أو أن يعلن المستقبل كما يفعل هو.
ثم انتقل إشعياء لوصف عبادة الأصنام بأسلوب ساخر ومفصل. قال: “النجار يمد الخيط، ويشير إليه بالقلم، ويعمله بالمناس، ويصنعه على مثال رجل، كجمال إنسان، ليسكن في بيت.” كان يصف كيف أن الإنسان يأخذ قطعة من الخشب، ويستخدم جزءاً منها ليشعل النار ويطبخ طعامه، والجزء الآخر يصنع منه صنماً ليعبده. قال: “يسجد له ويعبده، ويصلي إليه ويقول: نجني لأنك إلهي.” كانت هذه الصورة تفضح عبثية عبادة الأصنام، التي هي من صنع أيدي البشر، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً لمن يعبدها.
ثم أضاف إشعياء: “لم يعرفوا ولا فهموا، لأن عيونهم قد طمست عن النظر، وقلوبهم عن الفهم.” كان الرب يوضح أن الذين يعبدون الأصنام قد أعمى الجهل قلوبهم، ولم يعودوا قادرين على رؤية الحق. كانوا يعبدون ما لا يستطيع أن يسمع أو يرى أو يفعل أي شيء، بينما الرب الحقيقي كان يقدم لهم الحياة والخلاص.
وفي وسط هذا التحذير القاسي، عاد إشعياء ليذكر الشعب برحمة الرب ومحبته. قال: “لا تخف يا عبدي يعقوب، ويا إسرائيل الذي اخترته. لأني أسكب ماء على العطشان، ورياناً على اليابسة. أسكب روحي على نسلك، وبركتي على ذريتك.” كانت هذه الكلمات تقدم وعداً إلهياً بالبركة والخلاص، مؤكدة أن الرب لن يتخلى عن شعبه، بل سيعيدهم إليه ويملأهم بروحه.
ثم ختم إشعياء النبوة بتذكير الشعب بأن الرب هو الخالق والفادي. قال: “هكذا يقول الرب، ملك إسرائيل وفاديه، رب الجنود: أنا الأول وأنا الآخر، ولا إله غيري.” كانت هذه الكلمات تعلن مجدداً تفرد الرب وعظمته، وتدعو الشعب إلى العودة إليه وترك عبادة الأصنام.
وهكذا، كانت نبوة إشعياء في الإصحاح الرابع والأربعين مزيجاً من التحذير والوعد، تفضح جهل عبادة الأصنام وتعلن محبة الرب الأبدية لشعبه. كانت دعوة للعودة إلى الإله الحقيقي، الذي وحده يستحق العبادة والثقة.