في الأيام التي سبقت سقوط أورشليم، وقف النبي إرميا في وسط الشعب، ينادي بكلمة الرب التي أُعطيت له. كانت المدينة تعج بالضجيج والارتباك، وكانت قلوب الناس مليئة بالخوف والقلق. لكن إرميا، الذي عُرف بصلابته وإخلاصه للرب، وقف شامخًا، ينقل رسالة الله بكل وضوح وجرأة.
بدأ إرميا يتحدث بصوت عالٍ، قائلًا: “اسمعوا كلمة الرب، يا بيت إسرائيل! هكذا يقول الرب: لا تتعلموا طريق الأمم، ولا ترتعبوا من آيات السماوات، لأن الأمم ترتعب منها.” كانت عيون الناس تتجه نحو السماء، حيث كانت النجوم والكواكب تلمع في الظلام، وكأنها آلهة تسيطر على مصائر البشر. لكن إرميا واصل كلامه: “إن عادات الشعوب باطلة، لأنها تقطع شجرة من الوعر، ويكون عمل يدي نجار بالفأس. يزينونها بالفضة والذهب، ويشدّدونها بالمسامير والمطارق حتى لا تتحرك.”
كان إرميا يشير إلى الأصنام التي صنعها الناس بأيديهم، والتي عبدوها بدلًا من الرب الحقيقي. كانت هذه الأصنام مصنوعة من الخشب والمعدن، مزينة بالجواهر والذهب، لكنها بلا روح ولا حياة. واصل النبي قائلًا: “هي مثل نخلة مخرّمة، لا تتكلم. تُحمل لأنها لا تمشي. لا تخافوا منها، لأنها لا تضر، ولا خير فيها أن تفعل.”
ثم رفع إرميا صوته أكثر، قائلًا: “ليس مثلك يا رب! عظيم أنت، وعظيم اسمك في الجبروت. من لا يخافك يا ملك الأمم؟ لأنه بك يليق، إذ في كل حكماء الأمم وفي كل ممالكهم ليس مثلك.” كانت كلمات إرميا تذكر الشعب بعظمة الله وقدرته التي تفوق كل آلهة الأمم الزائفة. كان الرب هو الخالق الحقيقي للسماء والأرض، وهو الذي يسود على كل المخلوقات.
ثم تابع إرميا: “هكذا تقول لهم: الآلهة التي لم تصنع السماوات والأرض، تبيد من الأرض ومن تحت هذه السماوات.” كانت هذه الكلمات تحمل تهديدًا واضحًا لكل من يعبد الأصنام، لأنها ستزول وتُدمر، بينما يبقى الرب إلى الأبد.
ثم توجه إرميا إلى الشعب، قائلًا: “اصنع لنفسك حقلاً وحصادًا، لأن الرب قد صنع الأرض بقوته، وأثبت المسكونة بحكمته، وبفهمه مدّ السماوات.” كان النبي يذكرهم بأن الرب هو الذي خلق كل شيء، وهو الذي يعتني بهم ويوفر لهم الحصاد والغذاء. لم تكن الأصنام قادرة على أن تفعل أي شيء من هذا، لأنها مجرد صناعة أيدي البشر.
ثم ختم إرميا كلامه بدعوة للتوبة والرجوع إلى الرب: “كل إنسان قد غبي عن المعرفة، قد خزى كل صائغ من تمثاله، لأن مسبوكه كذب، وليس فيه روح. باطل هم، عمل أضاليل. في وقت عقابهم يفنون. ليس مثل نصيب يعقوب، لأنه مصوّر الكل، وإسرائيل قضيب ميراثه. رب الجنود اسمه.”
كانت كلمات إرميا تذكر الشعب بأنهم شعب الله المختار، وأنهم يجب أن يعبدوا الرب وحده، الذي هو إله الحق والقوة. لكن الشعب، في غفلتهم وعنادهم، استمروا في عبادة الأصنام، مما أدى إلى غضب الله عليهم.
وفي النهاية، تحققت كلمة الرب التي نطق بها إرميا. جاءت جيوش بابل ودمرت أورشليم، وسبت الشعب إلى المنفى. لكن في وسط هذه الكارثة، بقي إرميا مخلصًا للرب، وواصل دعوة الشعب إلى التوبة والرجوع إلى الله.
وهكذا، تبقى قصة إرميا تذكيرًا لنا بأن عبادة الأصنام والاعتماد على الأشياء الزائلة تؤدي إلى الدمار، بينما الإيمان بالله الحقيقي يمنحنا القوة والسلام. فلنعبد الرب وحده، لأنه هو الإله الحقيقي، خالق السماوات والأرض.