في الأيام القديمة، عندما كانت الكنيسة الأولى تنمو وتنتشر في كل مكان، كتب الرسول بولس رسالة إلى العبرانيين ليُشجعهم ويُعمق إيمانهم. وفي الأصحاح السادس من هذه الرسالة، تحدث بولس بكلمات قوية ومليئة بالحكمة، داعيًا المؤمنين إلى النضوج الروحي والتقدم في الإيمان، بدلًا من الرجوع إلى الأساسيات مرارًا وتكرارًا.
كانت الكنائس في ذلك الوقت تواجه تحديات كبيرة. فبعض المؤمنين، بعد أن اختبروا نور المسيح ونعمة الله، بدأوا يتزعزعون في إيمانهم بسبب الاضطهادات والإغراءات العالمية. فكتب بولس ليُذكرهم بأن الإيمان الحقيقي لا يتراجع، بل يتقدم نحو الكمال.
بدأ بولس كلامه بصورة رعوية جميلة، قائلًا: “لِنَتْرُكْ كَلَامَ بَدَايَةِ الْمَسِيحِ وَنَتَقَدَّمْ إِلَى الْكَمَالِ.” كان يشبههم بأطفال روحيين يحتاجون إلى النمو. فكما أن الطفل لا يمكنه أن يبقى يعتمد على الحليب فقط، بل يحتاج إلى طعام صلب لينمو، هكذا المؤمنون يجب أن يتقدموا في فهمهم الروحي. كان بولس يحثهم على ترك الأمور الأولية، مثل التوبة من الأعمال الميتة والإيمان بالله، ومعمودية التوبة، ووضع الأيدي، والقيامة من الأموات، والدينونة الأبدية. هذه كانت الأساسيات، لكن الوقت حان للبناء عليها.
ثم انتقل بولس إلى تحذير قوي، لكنه كان محفوفًا بالرجاء. قال: “لأَنَّ الَّذِينَ اسْتُنِيرُوا مَرَّةً، وَذَاقُوا الْمَوْهِبَةَ السَّمَاوِيَّةَ، وَصَارُوا شُرَكَاءَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَذَاقُوا كَلِمَةَ اللهِ الصَّالِحَةَ وَقُوَّاتِ الدَّهْرِ الآتِي، وَسَقَطُوا، لاَ يُجَدِّدُهُمْ أَيْضًا إِلَى التَّوْبَةِ، إِذْ هُمْ يَصْلِبُونَ لأَنْفُسِهِمُ ابْنَ اللهِ ثَانِيَةً، وَيُشَهِّرُونَهُ.” كانت هذه الكلمات صعبة، لكنها كانت تهدف إلى إيقاظ المؤمنين من سباتهم الروحي. كان بولس يُشبه من يرفض النعمة بعد أن ذاقها بشخص يدوس على هبة الله ويحتقرها. هذا الفعل لا يُغتفر، لأنه يعني رفض عمل المسيح الكفاري.
لكن بولس، برغم تحذيراته، كان واثقًا في محبة الله وعمله في حياة المؤمنين. فقال: “وَلكِنَّنَا نَتَيَقَّنُ مِنْكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، أُمُورًا أَفْضَلَ وَمُخْتَصَّةً بِالْخَلاَصِ، وَإِنْ كُنَّا نَتَكَلَّمُ هكَذَا.” كان يعلم أن الله لا ينسى تعب محبتهم وخدمتهم، وأن إيمانهم الحقيقي سيظهر ثماره في النهاية.
ثم قدم بولس صورة رائعة عن إبراهيم، أبو المؤمنين، الذي صبر وانتظر مواعيد الله. قال: “فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا حَتَّى يَنْسَى عَمَلَكُمْ وَتَعَبَ الْمَحَبَّةِ الَّتِي أَظْهَرْتُمُوهَا نَحْوَ اسْمِهِ.” وأضاف أن الله أقسم بذاته لإبراهيم، لأنه لا شيء أعظم من الله، وأكد له بركة نسله. هكذا، فإن مواعيد الله ثابتة وراسخة، ولا يمكن أن تتزعزع.
وفي النهاية، اختتم بولس هذا الجزء برجاء عظيم، قائلًا: “الَّذِي لَنَا بِهِ مَلْجَأٌ قَوِيٌّ لِنُمْسِكَ بِالرَّجَاءِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا. الَّذِي نَحْنُ لَهُ كَمُرْسَاةٍ لِلنَّفْسِ، أَمِينَةٍ وَثَابِتَةٍ، وَتَدْخُلُ إِلَى مَا دَاخِلَ الْحِجَابِ.” كان يشير إلى المسيح، الذي دخل إلى الأقداس السماوية كسابق لأجلنا، ليكون رجاءنا ثابتًا وراسخًا. فكما أن المرساة تثبت السفينة في البحر الهائج، هكذا رجاؤنا في المسيح يثبتنا في وسط تجارب الحياة.
وهكذا، كانت رسالة بولس إلى العبرانيين تذكيرًا قويًا بأن الإيمان الحقيقي يتقدم ولا يتراجع، وأن رجاءنا في المسيح هو أساس راسخ لا يتزعزع. فليتقدم كل مؤمن في معرفة الله، وليتمسك برجاء الحياة الأبدية الذي وُعد به في المسيح يسوع.