في الأيام القديمة، عندما كانت الأرض لا تزال شابة والحكمة تُسعى إليها ككنز ثمين، كان هناك رجل يُدعى أيوب. كان أيوب رجلاً بارًا، يتقي الله ويحيد عن الشر. لكن أيوب، في خضم محنته، بدأ يتساءل عن عدالة الله في عالم يبدو فيه أن الأشرار يزدهرون بينما الأبراء يعانون.
وفي يوم من الأيام، بينما كان أيوب جالسًا مع أصدقائه الثلاثة، الذين جاءوا لتعزيته في محنته، رفع صوته وقال:
“اسمعوا كلامي بعناية، ودعوا هذا يكون تعزيتكم. اصبروا عليَّ حتى أتكلم، وبعد أن أتكلم، استهزئوا إن شئتم. أما أنا، فهل شكواي هي إلى إنسان؟ ولماذا لا أضطرب إذا تحدثت؟ انظروا إليَّ ودهشوا، وضعوا اليد على الفم. حتى إذا تذكرت ارتعت، ورجف أخذ جسمي.
لماذا يعيش الأشرار، ويشيخون، بل ويقوون في الغنى؟ نسْلهم ثابت أمامهم معهم، وذرّيتهم أمام أعينهم. بيوتهم آمنة من الخوف، وليس عصا الله عليهم. ثورهم يُلقح ولا يعزب، وبقرتهم تلد ولا تسقط. يخرجون أولادهم كالغنم، وأطفالهم يتراقصون. يرفعون صوتًا بالدف والعود، ويفرحون بصوت المزمار. يقضون أيامهم في خير، وفي لحظة يهبطون إلى الهاوية. ومع ذلك يقولون لله: ‘ابعد عنا، لأننا لا نريد معرفة طرقك. من هو القدير حتى نعبده؟ وما الفائدة إذا صلينا إليه؟’
هوذا ليست خيراتهم في أيديهم. مشورة الأشرار بعيدة عني. كم مرة ينطفئ سراج الأشرار، وتأتي عليهم مصيبتهم، ويقسم لهم الآلام في غضبه؟ يكونون كالقش أمام الريح، وكالعصافة التي تذروها الزوبعة. الله يخزن إثم الأب للأبناء. فليجزه هو فيعرف. لتبصر عيناه هلاكه، وليشرب من سخط القدير. لأن ما هو اهتمامه ببيته بعده، إذا انقطع عدد أشهره؟ هل يُعلّم أحد الله معرفة، وهو يقضي على العالين؟ هذا يموت في كمال قوته، كله مطمئن وساكن. آنيته ملآنة لبنًا، ونقي عظامه يُروى. وذاك يموت بنفس مرّة، ولم يأكل خيرًا قط. معًا يرقدان في التراب، والدود يغطيهما.
هوذا أعرف أفكاركم، والمكايد التي بها تظلمونني. لأنكم تقولون: ‘أين بيت الرئيس؟ وأين خيمة مساكن الأشرار؟’ أما سألتم السائرين في الطريق، وعلاماتهم لم تنكرها؟ أن الشرير يُحفظ ليوم الهلاك. يُحملون إلى يوم السخط. من يخبره في وجهه بطريقه؟ ومن يجازيه ما عمل؟ هو يُحمل إلى القبور، وعلى تلته يُقيم. حلوة له حصى الوادي، ووراءه كل إنسان يسحب، وكما لا تُحصى أمامه. فكيف تعزونني بالباطل، وتجيبكم يبقى خيانة؟”
وهكذا تحدث أيوب، معبرًا عن حيرته وأسفه على ما يبدو من ازدهار الأشرار في هذا العالم، بينما هو، البار، يعاني من آلام لا تُحتمل. كان أيوب يبحث عن فهم أعمق لعدالة الله، متسائلاً عن سبب ازدهار الأشرار بينما يعاني الأبرار. لكن في خضم تساؤلاته، ظل أيوب متمسكًا بإيمانه، عالماً أن الله، في نهاية المطاف، هو الحكيم والعدل، وأن أسراره تفوق فهم البشر.