الكتاب المقدس

رؤيا إشعياء: مجد الرب وعهد السلام الأبدي

في الأيام التي سبقت مجيء المسيح، تنبأ النبي إشعياء برؤيا عظيمة عن مستقبل أورشليم وجبل بيت الرب. كانت كلمات إشعياء مليئة بالروح القدس، وقد أعلنها بكل قوة ووضوح، كاشفًا عن مجد الله وخطته العظيمة للبشرية.

في البداية، وقف إشعياء في وسط الشعب، ورفع صوته كصوت البوق، قائلًا: “اسْمَعُوا يَا بَيْتَ يَعْقُوبَ، وَأَنْتُمْ بَقِيَّةُ إِسْرَائِيلَ، الَّذِينَ حَمَلْتُكُمْ مِنَ الرَّحِمِ، وَحَمَلْتُكُمْ مِنَ الْبَطْنِ. فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ، سَيَتَأَسَّسُ جَبَلُ بَيْتِ الرَّبِّ عَلَى رُؤُوسِ الْجِبَالِ، وَيَرْتَفِعُ فَوْقَ التِّلاَلِ، وَتَجْرِي إِلَيْهِ كُلُّ الأُمَمِ.”

كانت كلماته كالنور الساطع في ظلمة الليل، حيث وصف جبل بيت الرب كمركز للعالم، حيث ستجتمع كل الشعوب لتتعلم طرق الله وتسلك في سبله. قال إشعياء: “وَيَذْهَبُ شُعُوبٌ كَثِيرَةٌ وَيَقُولُونَ: هَلُمَّ نَصْعَدْ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ، إِلَى بَيْتِ إِلَهِ يَعْقُوبَ، فَيُعَلِّمَنَا مِنْ طُرُقِهِ، وَنَسْلُكَ فِي سُبُلِهِ. لأَنَّ مِنْ صِهْيَوْنَ تَخْرُجُ الشَّرِيعَةُ، وَمِنْ أُورُشَلِيمَ كَلِمَةُ الرَّبِّ.”

كانت الرؤيا التي رأها إشعياء مليئة بالسلام والعدل. فقد تنبأ بأن الله سيقضي بين الأمم، وسيفصل بين الشعوب القوية. قال: “فَيَقْضِي بَيْنَ الأُمَمِ، وَيَفْصِلُ لِشُعُوبٍ كَثِيرَةٍ، فَيَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكًا، وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. لاَ تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفًا، وَلاَ يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ.”

كانت هذه الكلمات تلمع كالذهب في قلوب الذين سمعوها، حيث وعد الله بزمن من السلام الأبدي، حيث لن تكون هناك حروب بعد، ولن يرفع أحد سيفًا ضد أخيه. بل سيعيش الجميع في وئام، تحت حكم الله العادل.

ثم وجه إشعياء كلامه إلى بيت يعقوب، قائلًا: “هَلُمَّ نَسْلُكْ فِي نُورِ الرَّبِّ.” لكنه أيضًا حذرهم من الكبرياء والشر الذي كان يعشعش في قلوبهم. قال: “لأَنَّكَ قَدْ رَفَضْتَ شَعْبَكَ بَيْتَ يَعْقُوبَ، لأَنَّهُمْ مَلأُوا مِنَ الشَّرْقِ، وَتَعَامَوْا مَعَ الْعَرَّافِينَ كَالْفِلِسْطِينِيِّينَ، وَصَافَقُوا بَنِي الأَجَانِبِ.”

كان إشعياء يرى بعين النبوة كيف أن الشعب قد ابتعد عن الله، وكيف أنهم قد ملأوا أرضهم بالتماثيل والأصنام، وسجدوا لعمل أيديهم. فقال: “وَامْتَلأَتْ أَرْضُهُمْ مِنَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، وَلَيْسَ لِكَنْزِهِمْ حَدٌّ. وَامْتَلأَتْ أَرْضُهُمْ مِنَ الْخَيْلِ، وَلَيْسَ لِمَرْكَبَاتِهِمْ حَدٌّ. وَامْتَلأَتْ أَرْضُهُمْ مِنَ الأَصْنَامِ. يَسْجُدُونَ لِعَمَلِ أَيْدِيهِمْ، لِمَا صَنَعَتْ أَصَابِعُهُمْ.”

ثم حذرهم إشعياء من يوم الرب العظيم، حيث سيُذل كل متكبر وكل عالٍ. قال: “وَتَخْضَعُ كِبْرِيَاءُ الإِنْسَانِ، وَيَتَّضِعُ تَعَاظُمُ الرِّجَالِ، وَيَرْتَفِعُ الرَّبُّ وَحْدَهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ. لأَنَّ يَوْمَ رَبِّ الْجُنُودِ عَلَى كُلِّ مُتَكَبِّرٍ وَعَالٍ، وَعَلَى كُلِّ مُرْتَفِعٍ فَيُوضَعُ.”

ووصف إشعياء كيف أن الله سيهز الأرض بعنف، وكيف أن كل شيء عالٍ سيسقط. قال: “وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ الرَّبَّ يَزُورُ عَلَى جُنْدِ السَّمَاءِ فِي السَّمَاءِ، وَعَلَى مُلُوكِ الأَرْضِ عَلَى الأَرْضِ. فَيُحْبَسُونَ كَمَا يُحْبَسُ الأَسْرَى فِي الْحُفْرَةِ، وَيُغْلَقُونَ فِي السِّجْنِ، وَبَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ يُعَاقَبُونَ.”

وأخيرًا، ختم إشعياء نبوته بدعوة للتوبة والرجوع إلى الله. قال: “اِسْتَتِرْ فِي التُّرَابِ مِنْ وَجْهِ رَهْبَةِ الرَّبِّ، وَمِنْ بَهَاءِ عَظَمَتِهِ. فَإِنَّ عُيُونَ الْمُتَكَبِّرِينَ تَتَوَاضَعُ، وَتَخْضَعُ كِبْرِيَاءُ الرِّجَالِ، وَيَرْتَفِعُ الرَّبُّ وَحْدَهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ.”

وهكذا، كانت كلمات إشعياء تذكيرًا قويًا بمجد الله وقدرته، ودعوة للشعب ليعودوا إليه بقلوب تائبة، منتظرين اليوم الذي فيه سيُعلن مجد الرب على كل الأرض، ويحكم بالعدل والسلام.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *