في البدء، كان داود النبي جالسًا في هدوء الليل، يتأمل في عظمة الله وعمق محبته. كان قلبه ممتلئًا بالرهبة والإجلال، فرفع عينيه نحو السماء وصلى قائلًا:
“يا رب، لقد اختبرتني وعرفتني. أنت تعلم جلوسي وقيامي، تفهم فكري من بعيد. تسلك في طريقي ورقادتي، وتألف كل سبلي.”
توقف داود للحظة، مستغرقًا في تأمل هذه الحقيقة العظيمة. كان يشعر بأن الله حاضر معه في كل لحظة، في كل خطوة يخطوها، وفي كل نفس يتنفسه. حتى في أحلك الليالي، عندما يغمره الظلام، كان يعلم أن الله يراه.
“لأنه ليس كلمة في لساني إلا وأنت يا رب عرفتها كلها. من خلف ومن قدام أحاطت بي، ووضعت عليَّ يدك.”
تخيل داود يد الله القوية والحانية تمسك به، تحيطه من كل جانب. شعر بالأمان والاطمئنان، وكأنه محفوظ في حضن الله. حتى عندما حاول أن يهرب من وجه الله، كان يعلم أنه لا مكان يختفي فيه من حضوره.
“أصعد إلى السماوات فأنت هناك، أو أفرش في الهاوية فها أنت. إن أخذت جناحي الصبح، وسكنت في أقاصي البحر، فهناك أيضًا تهديني يدك، وتمسكني يمينك.”
تذكر داود تلك الأوقات التي شعر فيها بالضياع والوحدة، وكيف أن الله كان دائمًا بجانبه، يهديه ويقويه. حتى في أعماق البحر، في أبعد الأماكن، كان الله حاضرًا.
“إن قلت: «إلى الأقل يغطيني الظلام، والليل نور حولي». فالظلام لا يظلم لديك، والليل يضيء كالنهار. الظلام كالنور لديك.”
أدرك داود أن الله يعرف كل شيء عنه، حتى قبل أن يولد. كان الله قد رسم له خطة منذ الأزل، وكتب كل أيامه في سفر الحياة.
“لأنك أنت اقتنيت كليتيَّ. نسجتني في بطن أمي. أحمدك من أجل أني قد امتزت عجبًا. عجيبة هي أعمالك، ونفسي تعرف ذلك جدًا.”
توقف داود مرة أخرى، ممتلئًا بالامتنان. كان يشعر بالرهبة من كيفية خلقه، وكيف أن الله نسجه في رحم أمه بعناية فائقة. كل تفصيلة في جسده، كل عضو وكل خلية، كانت شاهدة على حكمة الله وقدرته.
“لم تختفِ عظمي عنك حينما صنعت في الخفية، ورُقِمت في أعماق الأرض. رأت عيناك أعضائي، وفي سفرك كلها كتبت، يوم تصورَّت إذ ليس واحد منها.”
تأمل داود في حقيقة أن الله يعرف كل أفكاره، حتى قبل أن يفكر فيها. كان يشعر بأن الله قريب منه جدًا، لدرجة أنه يعرف كل ما يدور في قلبه.
“فكم ثقلت عليَّ أفكارك يا الله! كم مجموعها! إن أحصيتها فهي أكثر من الرمل. إذا استيقظت فإني بعد معك.”
كانت هذه الحقيقة تملأ قلب داود بالفرح والسلام. حتى في أحلامه، كان الله معه. لم يكن هناك لحظة واحدة يشعر فيها بالوحدة أو الخوف.
“لأنك أنت يا رب عالٍ. إنك تحب كل الذين يكرهون الشر. تحفظ أرواح أتقيائك، من أيدي الأشرار تنجيهم.”
تذكر داود أعداءه، أولئك الذين يكرهونه ويحاولون إيذاءه. لكنه كان يعلم أن الله سيحفظه ويحميه من كل شر. كان يشعر بالثقة في أن الله سينتقم له من الأشرار، لأنه إله العدل.
“يتكلمون ضدك بالشر. أعداؤك يحملون اسمك باطلًا. أما أنا يا رب فأبغض مبغضيك، وأمقت مقاوميك.”
لكن داود كان يعلم أيضًا أن قلبه يجب أن يكون نقيًا أمام الله. كان يريد أن يتأكد من أن أفكاره وأعماله تتفق مع مشيئة الله.
“اختبرني يا الله واعرف قلبي. امتحني واعرف أفكاري. وانظر إن كان فيّ طريق باطل، واهدني طريقًا أبديًا.”
وهكذا، انتهى داود من صلاته، وهو يشعر بالسلام والاطمئنان. كان يعلم أن الله معه في كل خطوة، وأنه سيحميه ويقوده إلى الطريق الأبدي. وكان قلبه ممتلئًا بالشكر والحمد لله، الذي يعرفه ويعتني به أكثر مما يعرف هو نفسه.