في اليوم الذي أعطى فيه الرب لموسى لوحي الشريعة مرة أخرى، كانت السماء صافية والرياح تعانق الجبال. كان موسى قد صعد إلى جبل سيناء بأمر من الرب، بعد أن كسر اللوحين الأولين بسبب خطية الشعب الذي عبد العجل الذهبي. وكان الرب قد أمر موسى أن ينحت لوحين من حجر، مثل الأولين، ليصعد بهما إلى الجبل. ففعل موسى كما أمره الرب، وحمل اللوحين معه في الصباح الباكر.
وعندما وصل موسى إلى قمة الجبل، نزل الرب في سحابة ووقف هناك معه. ودعا باسم الرب، فاجتاز الرب أمامه ونادى: “الرَّبُّ الرَّبُّ، إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. الَّذِي يَحْفَظُ الإِحْسَانَ إِلَى أُلُوفٍ، وَيَغْفِرُ الإِثْمَ وَالْمَعْصِيَةَ وَالْخَطِيَّةَ. وَلكِنَّهُ لَنْ يُبْرِئَ الْمُذْنِبَ، بَلْ يَفْتَقِدُ إِثْمَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ وَفِي أَبْنَاءِ الأَبْنَاءِ إِلَى الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ.”
فأسرع موسى وانحنى إلى الأرض وسجد، وقال: “إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ يَا سَيِّدُ، فَلْيَسِرِ الرَّبُّ فِي وَسَطِنَا. إِنَّهُمْ شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةِ، وَاغْفِرْ ذُنُوبَنَا وَخَطَايَانَا، وَاتَّخِذْنَا مِيرَاثًا لَكَ.”
فأجاب الرب وقال: “هَا أَنَا أَقْطَعُ عَهْدًا. أَجْعَلُ أَمَامَ جَمِيعِ شَعْبِكَ عَجَائِبَ لَمْ تُصْنَعْ فِي كُلِّ الأَرْضِ وَلاَ فِي جَمِيعِ الأُمَمِ. وَيَرَى جَمِيعُ الشَّعْبِ الَّذِي أَنْتَ فِي وَسَطِهِمْ عَمَلَ الرَّبِّ، لأَنَّهُ مَخُوفٌ هُوَ الَّذِي أَنَا فَاعِلٌهُ مَعَكَ.”
ثم أعطى الرب لموسى وصايا جديدة، وقال له: “اِحْتَفِظْ لِنَفْسِكَ مَا أَنَا آمُرُكَ بِهِ الْيَوْمَ. هَا أَنَا طَارِدٌ مِنْ أَمَامِكَ الأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ. اِحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تَقْطَعَ عَهْدًا مَعَ سُكَّانِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ آتٍ إِلَيْهَا، لِئَلاَّ يَكُونُوا فَخًّا فِي وَسَطِكَ. بَلِ اهْدِمْ مَذَابِحَهُمْ، وَاكْسِرْ أَنْصَابَهُمْ، وَاقْطَعْ سَوَارِيَهُمْ. لأَنَّكَ لاَ تَسْجُدُ لإِلهٍ آخَرَ، لأَنَّ الرَّبَّ اسْمُهُ غَيُورٌ. إِلهٌ غَيُورٌ هُوَ.”
ثم تابع الرب كلامه لموسى، محذرًا إياه من مخالطة الشعوب الوثنية وعباداتهم، وقال: “لاَ تَقْطَعْ عَهْدًا مَعَ سُكَّانِ الأَرْضِ، فَإِذَا زَنَوْا وَرَاءَ آلِهَتِهِمْ وَذَبَحُوا لآلِهَتِهِمْ، فَيَدْعُوكَ وَتَأْكُلْ مِنْ ذَبِيحَتِهِمْ. وَإِذَا أَخَذْتَ مِنْ بَنَاتِهِمْ لِبَنِيكَ، فَإِذَا زَنَوْا وَرَاءَ آلِهَتِهِمْ، يُزْنُونَ بَنُوكَ وَرَاءَ آلِهَتِهِمْ.”
وأكد الرب على أهمية حفظ الأعياد والسبوت، فقال: “سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ تَسْبِيتٌ. تَسْبِيتٌ فِي الْفَلاحَةِ وَالْحَصَادِ. وَتَحْفَظُونَ لِي عِيدَ الْفَطِيرِ. سَبْعَةَ أَيَّامٍ تَأْكُلُونَ فِيهِ فَطِيرًا كَمَا أَمَرْتُكَ، فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ مِنْ شَهْرِ أَبِيبَ، لأَنَّكَ فِيهِ خَرَجْتَ مِنْ مِصْرَ. وَكُلُّ بِكْرٍ لِي يَفْتَحُ رَحِمَهُ مِنَ النَّاسِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ هُوَ لِي.”
وأخيرًا، أعطى الرب لموسى اللوحين المكتوبين بإصبع الله، وعندما نزل موسى من الجبل، كان وجهه يلمع من النور الذي رآه في حضرة الرب. ولم يكن موسى يعلم أن وجهه يشع، لكن بني إسرائيل رأوا ذلك وخافوا من الاقتراب منه. فدعاهم موسى وأخبرهم بكل ما أوصاه الرب. ثم وضع على وجهه برقعًا عندما يكلم الشعب، لكنه كان يخلعه عندما يدخل ليكلم الرب.
وهكذا، كانت هذه اللحظة علامة على عهد جديد بين الرب وشعبه، وعلى استمرار رحمة الله وغفرانه، رغم خطايا الشعب وصلابة رقبتهم. وكان موسى الوسيط الأمين بين الله والإنسان، يحمل كلمة الرب ويشع بنور حضرة القدير.