الكتاب المقدس

النور والحق في رسالة يوحنا الأولى: الإصحاح الثاني

في البدء، كانت الكلمة، والكلمة كانت عند الله، وكانت الكلمة الله. هذه الكلمة هي الحياة والنور الذي أضاء للناس، وفي هذا النور نعيش ونحن نتأمل رسالة يوحنا الأولى، الإصحاح الثاني، حيث نجد تعاليم عميقة وحكمة إلهية تُرشدنا إلى طريق الحق.

في تلك الأيام، كتب يوحنا الرسول، تلميذ المسيح الحبيب، رسالة إلى المؤمنين ليُشجعهم ويُعزيهم ويُعلمهم كيف يسلكون في النور. بدأ يوحنا حديثه بقوله: “يا أولادي، أكتب إليكم هذا لكي لا تُخطئوا. وإن أخطأ أحد، فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار.” كانت كلماته مليئة بالحب الأبوي، كأنه أبٌ روحيٌ يُرشد أبناءه إلى طريق الخلاص.

كان يوحنا يعلم أن الخطية هي عدوٌ للإنسان، لكنه أراد أن يُطمئن المؤمنين أن هناك رجاءً وغفرانًا في المسيح. كان يسوع، الذي بذل نفسه من أجل خطايانا، هو الشفيع الذي يقف أمام الآب ليطهرنا من كل إثم. كانت هذه الرسالة تذكيرًا قويًا بأن محبة الله لا تُقارن، وأن نعمته تفوق كل فهم.

ثم تابع يوحنا قائلًا: “وبهذا نعرف أننا قد عرفناه، إن حفظنا وصاياه.” كانت هذه الكلمات تحمل في طياتها تحدّيًا روحيًا. فالمعرفة الحقيقية لله ليست مجرد معرفة عقلية، بل هي علاقة حية تظهر من خلال الطاعة لكلمته. كان يوحنا يُشدد على أن الإيمان الحقيقي يظهر من خلال السلوك، فمن يقول أنه يعرف الله ولا يحفظ وصاياه، فهو كاذب وليس الحق فيه.

وفي وسط هذا التعليم، أشار يوحنا إلى وصية جديدة، لكنها في الحقيقة قديمة، هي الوصية التي سمعوها من البدء: أن نحب بعضنا بعضًا. كانت هذه المحبة هي العلامة الفارقة لتلاميذ المسيح. فالمحبة ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي أفعال تُظهر نفسها في خدمة الآخرين والتضحية من أجلهم. كانت محبة المسيح، التي بذل نفسه من أجلنا، هي النموذج الذي يجب أن نحتذي به.

ثم حذر يوحنا المؤمنين من محبة العالم، قائلًا: “لا تُحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم. إن أحب أحد العالم، فليست فيه محبة الآب.” كان العالم هنا يُشير إلى النظام الشرير الذي يقاوم الله ويرفض سلطانه. كانت شهوة الجسد، وشهوة العيون، وتعظم المعيشة، هي الأشياء التي تجذب الإنسان بعيدًا عن الله. لكن يوحنا ذكر المؤمنين أن العالم وشهواته زائلة، أما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد.

وفي ختام هذا الإصحاح، تحدث يوحنا عن الأزمنة الأخيرة، وكيف أن العديد من المضلين قد ظهروا في العالم. كان هؤلاء المضلون ينكرون أن يسوع هو المسيح، وبذلك كانوا ينكرون الآب والابن معًا. لكن يوحنا طمأن المؤمنين أنهم قد مُسحوا من القدوس، وعرفوا كل شيء، فلا حاجة لهم إلى أن يُعلمهم أحد، لأن المسحة التي أخذوها من الله تُعلمهم كل شيء.

كانت رسالة يوحنا الأولى، الإصحاح الثاني، دعوةً قويةً للسير في النور، والمحافظة على وصايا الله، ومحبة الإخوة، والابتعاد عن شهوات العالم. كانت كلماته تذكيرًا بأننا، كمؤمنين، لسنا من هذا العالم، بل نحن غرباء ونزلاء هنا، ننتظر المدينة التي لها الأساسات، التي صانعها وبارئها الله.

وهكذا، انتهى يوحنا رسالته بتشجيع المؤمنين على الثبات في الإيمان، والتمسك بالحق الذي تعلموه من البدء. كانت كلماته كالنور الذي يضيء في الظلمة، يُرشد الخطوات ويمنح الرجاء لكل من يسير في طريق الرب.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *