كان في قديم الزمان، حينما كان داود النبي ملكاً على إسرائيل، حدثت أمور عظيمة ترويها الأسفار المقدسة. وفي تلك الأيام، قام أبشالوم بن داود بمكيدة عظيمة ليستولي على الملك من أبيه.
كان أبشالوم فتى وسيماً لا مثيل له في جماله من قمة رأسه إلى أخمص قدميه. وكان له شعر كثيف يفتخر به، فيحلقه كل عام عندما يصبح ثقيلاً عليه، فيزن نحو مئتي شاقل بوزن الملك. وقد ولد له ثلاثة بنين وبنت واحدة اسمها ثامار. وكان أبشالوم ينهض باكراً ويقف عند جانب الطريق عند باب المدينة، وكل من كان له خصومة يأتي إلى الملك للقضاء، كان أبشالوم يناديه قائلاً: “من أي مدينة أنت؟” فيجيب الرجل: “عبدك من أحد أسباط إسرائيل”. فيقول أبشالوم: “انظر! دعواك صحيحة ومستقيمة، ولكن ليس من يسمع لك عند الملك”. ثم يضيف: “ليتني أقضي في الأرض، فيأتي إليَّ كل من له خصومة أو دعوى وأقضي له بالعدل”.
وإذا اقترب إنسان ليسجد له، يمد يده ويأخذه ويقبله. وهكذا كان أبشالوم يفعل مع جميع إسرائيليين الذين يأتون إلى الملك للقضاء، فكان يسرق قلوب رجال إسرائيل.
وبعد أربعين سنة، قال أبشالوم للملك: “دعني أذهب إلى حبرون لأوفي النذر الذي نذرته للرب. لأن عبدك نذر نذراً حين كنت مقيماً في جشور بأرام قائلاً: إن ردني الرب إلى أورشليم، فإنني أعبد الرب”. فأجابه الملك: “اذهب بسلام”. فقام وذهب إلى حبرون.
وأرسل أبشالوم جواسيس في جميع أسباط إسرائيل يقولون: “حين تسمعون صوت البوق، فقولوا: قد ملك أبشالوم في حبرون”. وذهب مع أبشالوم مئتا رجل من أورشليم مدعوون وهم ذاهبون في بساطة، ولم يعلموا بأمر ما. وأرسل أبشالوم وأحضر أخيتوفل الجيلوني مشير داود من مدينته جيلو، بينما كان يقدم الذبائح. وكانت المؤامرة قوية، وكثر الشعب مع أبشالوم.
فجاء رسول إلى داود يقول: “قد مال قلب رجال إسرائيل وراء أبشالوم”. فقال داود لجميع عبيده الذين معه في أورشليم: “قوموا نهرب، لأنه لا خلاص لنا من وجه أبشالوم. أسرعوا بالذهاب لئلا يسرع فيدركنا ويجلب علينا الشر ويضرب المدينة بحد السيف”.
فقال عبيد الملك للملك: “حسب كل ما يختار سيدي الملك، ها نحن عبيدك”. فخرج الملك وكل بيته وراءه، وترك الملك عشر سراري لحفظ البيت. فخرج الملك وكل الشعب وراءه، ووقفوا في بيت المريخ.
وكان جميع عبيده مجتازين إلى جانبه، وجميع الكريتيين وجميع الفلسطينيين، وجميع الجتيين ستمئة رجل الذين جاءوا وراءه من جت، مجتازين أمام الملك.
فقال الملك لإتاي الجتي: “لماذا تذهب أنت أيضاً معنا؟ ارجع وأقم مع الملك، لأنك غريب وأيضاً منفى من مكانك. أمس جاءت، واليوم أُحَرِّكُك لتذهب معنا، وأنا ذاهب حيثما أذهب؟ ارجع ورد إخوتك معك، رحمة وحقاً معك”. فأجاب إتاي الملك قائلاً: “حيٌّ هو الرب، وحية هي نفس سيدي الملك، إنه في الموضع حيثما يكون سيدي الملك، إن للموت أو للحياة، هناك يكون عبدك”.
فقال داود لإتاي: “تعال واجتاز”. فاجتاز إتاي الجتي وكل رجاله وكل الأطفال الذين معه. وكان جميع الأرض يبكون بصوت عال، وجميع الشعب المجتازين، والملك واقفاً على وادي قدرون، وجميع الشعب مجتازين إلى طريق البرية.
وإذا بصادوق وكل اللاويين معه حاملين تابوت عهد الله، ووضعوا تابوت الله، وصعد أبياثار، حتى استقر جميع الشعب من المدينة. فقال الملك لصادوق: “اردد تابوت الله إلى المدينة. فإن وجدت نعمة في عيني الرب، يردني وأراه ومسكنه. ولكن إن قال هكذا: لا مسرة لي فيك، ها أنا ذا، فليفعل بي ما يحسن في عينيه”.
وقال الملك لصادوق الكاهن: “ألست أنت رائي؟ ارجع إلى المدينة بسلام، وأخوك أبياثار معك، وابناك معكما، أخيمعص بنك ويوناثان بن أبياثار. انظر، أنا مكث في عربات البرية حتى تأتي كلمة منكم تخبرني”. فردا صادوق وأبياثار تابوت الله إلى أورشليم وأقيما هناك.
وصعد داود جبل الزيتون وهو صاعد يبكي، ورأسه مغطى، وهو ماشٍ حافياً، وجميع الشعب الذين معه غطوا كل واحد رأسه، وكانوا يصعدون يبكون.
فأخبروا داود قائلين: “أخيتوفل بين المتآمرين مع أبشالوم”. فقال داود: “يا رب، أحمق مشورة أخيتوفل”.
ولما جاء داود إلى الرأس حيث كان يسجد لله، إذا بحوشاي الأركي مستقبله، ممزق ثيابه وتراب على رأسه. فقال له داود: “إن عبرت معي تكون عليَّ حملاً. ولكن إن رجعت إلى المدينة وقلت لأبشالوم: أيها الملك، أنا عبدك. كما كنت عبداً لأبيك من قبل، أكون عبداً لك. حينئذ تفسخ لي مشورة أخيتوفل. أما معك هناك صادوق وأبياثار الكاهنان؟ فكل الكلام الذي تسمعه من بيت الملك تخبر به صادوق وأبياثار الكاهنين. هوذا معهما هناك ابناها أخيمعص لصادوق ويوناثان لأبياثار، فترسلان إليَّ بكل كلام تسمعانه”. فجاء حوشاي صديق داود إلى المدينة، وأبشالوم دخل أورشليم.
وهكذا تمت الأحداث كما كتب في سفر صموئيل الثاني، تاركة دروساً في البركة والطاعة، والخطيئة والعقاب، والرحمة الإلهية التي لا تتخلى عن التائبين.



