في يوم من الأيام، بينما كان شاول الملك ومعه نحو ست مئة رجل يحتمون في تخوم جبعا تحت رمانة رامه، قام يوناثان ابن شاول بحركة جريئة غير متوقعة. لم يخبر أباه بشيء، بل قال لحامل سلاحه الشاب: “هلم نعبر إلى مقر هؤلاء الغرباء غير المختونين من الفلسطينيين. ربما يصنع الرب لنا معجزة، لأن ليس للرب مانع عن الخلاص بالكثير أو بالقليل”.
كان المشهد مهيباً ومخيفاً في آن واحد. الجبلان الشاهقان يقفان كحرسين عظيمين، أحدهما يسمى بوصيص والآخر سene. بينهما ممر صخري وعرة، تشبه نابي سنور ضخمين يتهددان كل من يجتازه. الفلسطينيون يحتلون المواقع الاستراتيجية على القمم، بينما كان الجيش الإسرائيلي مختبئاً في الأسفل.
قال يوناثان لحامل سلاحه: “هئنذا عابر إلى هؤلاء الرجال. إن قالوا لنا: أقفوا حتى نأتيكم، نقف في مكاننا ولا نصعد إليهم. وإن قالوا: اصعدوا إلينا، نصعد لأن الرب قد دفعهم ليدنا”. وعندما ظهر الاثنان للفلسطينيين، صرخ الحراس: “هوذا العبرانيون خارجون من الجحور التي اختبأوا فيها! اصعدوا إلينا فنعلمكم أمراً”.
فقال يوناثان لحامل سلاحه: “اصعد ورائي لأن الرب قد دفعهم إلى يد إسرائيل”. فصعد الاثنان على يديه ورجليه، يتسلقان الصخور الحادة كالماعز الجبلي. وما إن وصلا إلى القمة حتى بدأ القتال. ضرب يوناثان وحامل سلاحه حوالي عشرين رجلاً في مساحة صغيرة كأنها نصف فدان. ووقع رعب من الرب على المعسكر كله، حتى أن الأرض ارتعدت فحدث زلزال عظيم.
شاهد الحراس من بعيد، ورأوا الفلسطينيين يضرب بعضهم بعضاً في فوضى عارمة. أسرع شاول وجيشه عندما رأوا المشهد الغريب، وانضم إليهم الإسرائيليون الذين كانوا مختبئين في جبل أفرايم. حتى الإسرائيليون الذين انضموا للفلسطينيين غيّروا مواقفهم وانقلبوا على أسيادهم.
كان القتال يمتد من بيت أون إلى أيالون، والسيوف تتلألأ تحت أشعة الشمس، والصراخ يملأ الوادي. لكن شاول أصدر قراراً متهوراً فنذر نذراً قائلاً: “ملعون الرجل الذي يأكل طعاماً إلى المساء حتى أنتقم من أعدائي”. فلم يذق الشعب طعاماً طوال اليوم.
وكان يوناثان لم يسمع بنذر أبيه، فمد طرف العصا التي بيده إلى قَطِف شهدٍ وعسل، وجعل طرف أصابعه يمس شيئاً منه. فلما ذاقه استنارت عيناه وعادت إليه القوة. فأخبره أحد الجنود عن النذر، فتعجب يوناثان وقال: “لقد أتعب أبي الأرض. انظروا كيف استنارت عيناي حين ذقت شيئاً من هذا العسل”.
عند المساء، أسرع الشعب إلى الغنائم، فذبحوا الغنم والبقر وأكلوا اللحم مع الدم. فغضب شاول وقال: “قد غدرتم. ائتوني بحجر عظيم ههنا”. ثم بنى مذبحاً للرب، وأمر أن يذبحوا الحيوانات على الحجر ولا يأكلوا بالدم. وهكذا تاب الشعب عن خطيئتهم.
سأل شاول الرب: “أأنزل وراء الفلسطينيين؟ أتسلمهم ليد إسرائيل؟” لكن الرب لم يجيبه ذلك اليوم. فعرف شاول أن هناك خطيئة في المعسكر. فأمر بأن يأتي جميع رؤساء الشعب، واكتشفوا أن يوناثان هو الذي أكل العسل. فقال شاول: “افعل بي الله هكذا وزد هكذا إن لم تموت يا يوناثان”.
لكن الشعب أنقذ يوناثان قائلين: “أيموت يوناثان الذي صنع هذا الخلاص العظيم في إسرائيل؟ حاشا! وحياة الرب إن كانت تسقط من شعره أرضاً، لأن مع الله عمل اليوم”. فترك شاول الأمر وانسحب من ملاحقة الفلسطينيين.
وهكذا انتهت المعركة بانتصار عظيم، لكنه خلف دروساً عميقة عن أهمية الطاعة للرب، وخطورة النذور المتسرعة، وضرورة التواضع أمام مشيئة الله.



