في البدء، عندما خلق الرب السماوات والأرض، كان هناك رجل صالح اسمه أشير، سكن في سفوح جبال القدس. وكان أشير هذا كالشجرة المغروسة على مجاري المياه، التي تعطي ثمرها في أوانها، ولا يذبل ورقها.
في كل صباح، مع بزوغ الفجر الأول، كان أشير ينهض من فراشه ويتجه إلى شرفة منزله المطلة على البساتين. هناك كان يرفع يديه نحو السماء الزرقاء ويبدأ بتسبحة الصباح: “جيد هو الحمد للرب، والترنم لاسمك يا عليّ، أن يخبر في الصباح برحمتك، وأمانتك في الليالي.”
كانت أيامه تمر كفصول السنة المتعاقبة. في الربيع، بينما كانت أشجار الزيتون تزهر، كان يتأمل في أمانة الله التي لا تتزعزع. وفي الصيف، حين كانت الشمس تلقي بأشعتها الذهبية على التلال، كان يرى في ذلك مجد أعمال الله العظيمة.
ذات يوم، بينما كان جالساً تحت شجرة تين عتيقة، رأى الأشرار يزدهرون كالعشب، ويُطلقون كلمات الكبرياء في كل مكان. لكنه تذكر كلمات المزمور: “لأن هوذا أعدائك يا رب، لأن هوذا أعدائك يهلكون. يتفرقون جميع فاعلي الإثم.”
وبالفعل، مع مرور الزمن، رأى بعينيه كيف أن الأشرار الذين تكبروا وتجبروا، صاروا كالقش الذي تذروه الرياح. بينما ظل هو ثابتاً في إيمانه، متشبثاً برحمة الله كاللجوء إلى الصخر الأبدي.
وفي شيخوخته، عندما صار شعره أبيض كثلوج جبل حرمون، كان لا يزال ينمو في النعمة كشجرة النخيل الباسقة، ويُثمر كأرز لبنان المغروس في بيت الرب. وكان أولاده وأحفاده يجتمعون حوله في دياره، فيخبرهم بأعاجيب الله قائلاً: “ليس عدلٌ في المستقيم طريقُه، وإلهي لا إثم فيه.”
وفي ليلة من الليالي، بينما كان القمر يسكب نوره الفضّي على الأرض، رأى أشير في منامه ملكوت السماوات مفتوحاً، وسمع أصوات الملائكة تترنم: “الصدّيق كالنخلة يزهو، كالأرز في لبنان ينمو. مغروسون في بيت الرب، في ديار إلهنا يزهرون.”
وعندما استيقظ، امتلأ قلبه سلاماً عميقاً، وعرف أن رحمة الله أبدية، وأمانته إلى جيل فجيل. فرفع صوته بالترنم قائلاً: “ليخبروا بأن الرب مستقيم، صخرتي ولا ظلم فيه.” وهكذا عاش أشير أيامه كلها مسبحاً لله، حتى انتقل إلى الأخدار السماوية، تاركاً وراءه إرثاً من الإيمان الذي لا يتزعزع.




