الكتاب المقدس

نبع التعزية في المحنة

في تلك الأيام المليئة بالاضطرابات والاضطهادات، كتب الرسول بولس إلى أهل تسالونيكي بعد أن أرسل تيموثاوس ليعزّيهم ويثبّت إيمانهم. كانت تسالونيكي مدينة تعج بالوثنيين، حيث كانت الأصنام تملأ الساحات العامة، وكان المؤمنون الجدد يعانون من الاضطهاد يومياً.

كان بولس وحده في أثينا، يشعر بقلق عميق على القطيع الذي تركه وراءه. تساءل في صلواته: “هل صمد إخوتي أمام العواصف؟ هل ثبتوا كالشجرة المزروعة على مجاري المياه أم انهاروا كالقش الذي تذروه الرياح؟”

في أحد الأيام الحارة، بينما كان بولس ينتقل بين مجامع اليهود والأسواق اليونانية، رأى ظلاً مألوفاً يقترب. كان تيموثاوس عائداً، وجهه مغبرٌ من السفر الطويل لكن عينيه تشعان كالنجوم في ليلة مظلمة.

“أخي بولس!” نادى تيموثاوس بصوت متهدج من الفرح، “لقد رأيت عجائب إلهنا!”

جلس الرجلان تحت شجرة زيتون، وبدأ تيموثاوس يحكي: “رأيت إخوتنا في تسالونيكي وهم يتعرضون للشتائم والضرب يومياً. لكن يا لبشائر الفرح! بدلاً من أن ينهاروا، كان إيمانهم ينمو كالنار المتقدة!”

أخذ تيموثاوس ينفخ الغبار عن ثيابه وهو يروي التفاصيل: “تخيل يا بولس، لقد رأيت أرملة عجوز تدعى مرثا، كانت تباع كعبدة في السوق لأنها آمنت بالمسيح. لكنها بدلاً من أن تحزن، كانت تترنم بمزامير داود، حتى أن بعض الذين جاءوا لشرائها تأثروا بشهادتها!”

“وفي الحي اليهودي”، واصل تيموثاوس حديثه، “كان شاب اسمه أليعازر يلقى به في السجن مراراً. لكن في كل مرة كان يخرج منها، كان إيمانه يزداد قوة، وكلماته تزداد تأثيراً!”

دمعت عينا بولس وهو يستمع. شعر كأن نعمة الله تتدفق عليه كالنهر العظيم. نهض مسرعاً إلى مكان كتابته، وأخذ يخط الرسالة بحبر ممزوج بالدموع والفرح.

كتب: “إلى كنيسة تسالونيكي، النخبة المختارة من الله…”

وصف في رسالته كيف أن اخبار تيموثاوس كانت كالندى على الأرض القاحلة، وكالماء العذب للنفس الظمأى. ذكرهم بأن الاضطهادات ليست غريبة، بل هي جزء من الخطة الإلهية لتنقية إيمانهم كالذهب في النار.

وتابع الكتابة بنبرة أبوية حانية: “الآن وقد سمعنا عن صمودكم، عادت إلينا الحياة. فأنتم يا إخوتي، أنتم مجدنا وفرحنا، أنتم الإكليل الذي سنفتخر به أمام ربنا يسوع عند مجيئه.”

وفي الختام، دعاهم إلى المزيد من النمو في المحبة والقداسة، مذكراً إياهم أن الرب قادر أن يثبت قلوبهم بلا لوم في القداسة عند مجيء ربنا يسوع مع جميع قديسيه.

وهكذا، أصبحت رسالة تسالونيكي الأولى، الإصحاح الثالث، نبعاً من التعزية والتشجيع لكل المؤمنين المضطهدين عبر العصور، تذكاراً أبدياً لانتصار النعمة على الآلام، وانتصار الإيمان على الخوف.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *