الكتاب المقدس

لقاء النور في سيناء

بعد ثلاثة أشهر من خروج بني إسرائيل من أرض مصر، في يومٍ اشتدت فيه حرارة الشمس حتى كاد الحصى يذوب في قيعان الوادي، وصلوا إلى برية سيناء. نصبوا خيامهم هناك في ظل الجبل الذي ارتفع شامخاً كأنه حاجب من حجر يتحدى الزمن. كان الجو ثقيلاً كأنما الجبال نفسها تتنفس بصعوبة، والريح تحمل عبير الأكاسيا والتراب المالح.

كان موسى يصعد كل صباح إلى سفوح الجبل ليخلو مع ذاته، وكان شعبه يراقبونه من بعيد، وقد علتهم الدهشة من صمته الطويل. في أحد تلك الأيام، بينما كان موسى يمسح جبينه المتعرق، سمع نداءً داخلياً يهز كيانه كالرعد البعيد. لم يكن صوتاً عادياً، بل كان كهمس النخيل في ليلة هادئة، لكنه يحمل قوة الرياح العاتية.

نزل موسى مسرعاً إلى المعسكر، عيناه تلمعان كمن رأى ما لا يُرى. جمع شيوخ القبائل تحت خيمة كبيرة، وبدأ يحدثهم بكلمات متقطعة كأنما يحمل أثقالاً من نور: “يقول الرب إنكم رأيتم ما صنعت بمصر، وحملتكم على أجنحة النسور وجئت بكم إليّ. فالآن إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي، تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب”.

انتشر الخبر في المعسكر كالنار في الهشيم. بدأ الناس يتهامسون، بعضهم ارتسمت على وجوههم علامات الرهبة، وآخرون همسوا بأنهم لم يروا سوى عصا موسى ويده، لا أجنحة نسور. لكن الجميع شعر بأن شيئاً عظيماً على وشك الحدوث.

في اليوم الثالث، مع بزوغ الفجر، أمر موسى الشعب بالتطهر ولبس الثياب النظيفة. “لا تقتربوا من امرأة” قالها بصوت خشن، وكأن الكلمات تؤلمه. تطايرت النظرت بين الرجال والنساء، بعض الزوجات أمسكن بأطراف ثيابهن وهن يتراجعن إلى الخيام الداخلية.

عندما حلّ الظهيرة، بدأت العلامات تظهر. غيمة سوداء ثقيلة تموج كالفحم المنصهر تجلت على قمة الجبل، والريح تحولت إلى عاصفة تحمل رائحة الكبريت والرعد. ارتجفت الأرض تحت أقدامهم، وبدأ الجبل يدخن كأنه قدر عظيم على نار هادئة. سمع الناس صوتاً يشبه البوق، لكنه لم يكن بوقاً بشرياً، بل كان كصرخة ولادة الكون.

ازداد صوت البوق شيئاً فشيئاً حتى صار يهز الأوصال. خرج موسى من بينهم ومشى باتجاه السحابة الكثيفة، وكان يمشي كمن لا يملك إرادته. وقف الشعب يراقب من بعد، وقد أمسك الرعب بقلوبهم. رأوا البرق يخترق السحاب دون أن يحدث رعداً، ورأوا النار تتساقط كأوراق الخريف لكنها لا تحرق شيئاً.

من داخل الضباب، سمعوا صوتاً يتكلم، لكن لم يستطع أحد تمييز الكلمات. كان الصوت يشبه تدفق المياه الجارفة، ويشبه في الوقت نفسه هدير الأسود. اقترب موسى أكثر حتى ابتلعه الضباب، وبقي الشعب واقفين في مكانهم، قد تجمدت أقدامهم من شدة الخوف.

بعد ساعات عاد موسى، وجهه يشع كأنه التقط أنواراً من عالم آخر. عيناه كانتا تحملان عمقاً لم يعرفه الناس من قبل. قال لهم بصوت هادئ لكنه يقطع القلب: “لا تخافوا، لقد جاء الله ليمتحنكم، ولكي تكون مخافته أمام وجوهكم فلا تخطئون”.

لكن الشعب ظل يرتجف، وامتنعوا عن الاقتراب من الجبل. كانوا يشعرون أن قدسية الله تشبه النار التي تدفئ من يبتعد عنها، وتحرق من يقترب أكثر من اللازم. حتى الحيوانات كانت قد ربطت نفسها إلى الأشجار والخيام، وكأن غريزتها أخبرتها بأن هناك حدوداً لا يجب تجاوزها.

بقيت السحابة على الجبل ثلاثة أيام، تارة تزداد كثافة وتارة تتناقص، وكأنها تتنفس مع نبضات الجبل. في الليلة الأخيرة، رأى الحراس على أطراف المعسكر ظلالاً تتحرك داخل الضباب، لكنهم لم يجروءوا على الاستقصاء. كان الجميع يشعرون بأنهم على عتبة شيء عظيم، لكن أبواب العتبة كانت من نور لا يستطيعون اجتيازه.

عند الفجر، اختفت السحابة فجأة كما جاءت، وظهر الجبل في صفاء مروع. لم يعد هناك رعد ولا برق، فقط صمت ثقيل يخيم على المكان. نزل موسى من الجبل ومعه كلمات جديدة، كلمات ستغير مصيرهم إلى الأبد. لكن تلك قصة أخرى، قصة لوحات من حجر وكلمات تنزل من السماء.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *