الكتاب المقدس

وصايا داود الأخيرة

كانت أنفاس داود الملك تتقطع كشمعة توشك أن تنطفئ، بينما كان البرد يتسلل إلى عظامه رغم دفء الأغطية الفاخرة. في غرفة العرش التي شهدت مجده، كان يرقد الآن تحت عباءة من الظلال المتزايدة. دخل سليمان الحكيم، ابنه، فانحنى قبل أن يقترب، فلمحت عينا داود المتعبتان وميض الشباب والقوة في وجه наслед العرش.

“أنصت يا ابني”، همس داود بصوت أجش، “أنا ذاهب في طريق الأرض كلها. فتشدد وكن رجلاً.”

كانت الشمس تغرب خلف النوافذ المرتفعة، فتلوّن الأرضية الرخامية بألوان الدم والعنبر. أخذ الملك المحتضر يعدد أعداء الماضي وأصحاب الدماء التي لم تُقتص بعد. تحدث عن يوآب بن صروية، ذلك القائد العتيق الذي “سفك دماء الحرب في وقت السلام”، ووصفه بأنه رجل ماكر كالأفعى في حرير البلاط.

“لا تدع شيبته تنزل بسلام إلى الهاوية”، قال داود وعيناه تلمعان في الظلام.

ثم انتقل إلى شمعي بن جيرا، ذلك الرجل الذي لعنه يوم فراره من أبشالوم، “وأنت تعلم ما لعنني به”. لكن الوصية كانت غريبة: “أنت حكيم فلا تبرر موته”. كلمات تحمل في طياتها تناقضات القيادة والدم.

أغمض سليمان عينيه وهو يستمع، تاركاً ظلال الغرفة تحكي قصة أخرى. كانت هناك ذكريات عن أدونيا، الأخ الأكبر الذي حاول الاستيلاء على العرش، وكان الآن كطائر جريح ينتظر مصيره.

بعد أيام، انتقل داود إلى ربه، فجلس سليمان على عرش أبيه، وكانت المملكة تترقب أنفاس الملك الجديد. لم تمض أسابيع حتى جاء أدونيا إلى أم الملك، بتوسل خجول. “هل سلامة طلبي؟” سألها، ثم طلب يد أبيشج الشونمية، تلك الفتاة التي دفأت فراش داود في أيامه الأخيرة.

عرفت بتشبع أم الملك أن في الطلب مكيدة، لكنها وعدت أن تتوسط. دخلت على سليمان في يوم مشمس، وكانت الأرضية الرخامية تلمع تحت أقدامها. انحنت بإجلال، ثم قدمت طلب أدونيا.

ارتسمت على وجه سليمان سحابة غضب. “لماذا تطلبين أبيشج لأدونيا؟” قال بصوت هادئ كالليل قبل العاصفة، “اطلبوا له المملكة أيضاً، فهو أخي الأكبر”. كان يعرف أن الزواج من محظية الملك الميت يعني المطالبة بالعرش.

أرسل سليمان إلى بنايا بن يهوياداع، ذلك المحارب الذي كانت سيفه أسرع من البرق. “اضرب أدونيا”، كانت الأوامر مختصرة وقاتلة. وفي ظهيرة ذلك اليوم، سقط الأخ الأكبر كشجرة قطعت من جذورها.

لكن الدماء لم تتوقف عند هذا الحد. استدعى سليمان أبياثار الكاهن، الرجل الذي حمل تابوت العهد مع داود في أيام الشدة. “اذهب إلى عناثوت”، قال له الملك، “إلى حقولك، لأنك مستحق للموت. لكنني لا أقتلك اليوم لأنك حملت تابوت السيد أمام داود أبي”. نفي الكاهن العجوز، فكانت نهاية كهنوته كشمعة انطفأت في هيكل الرب.

وجاء دور يوآب. عندما سمع بموت أدونيا ونفي أبياثار، أدرك أن خيوط القدر تتجه نحوه. ركض إلى خيمة الرب وتشبث بقرون المذبح، لكن الأقدار كانت أسرع. دخل بنايا إلى الدار المقدسة، والسيوف المسلولة تلمع تحت أشعة الشمس المتسللة من فتحات الخيمة.

“اخرج”، قال بنايا ليؤاب.

“لا، هنا أموت”، أجاب القائد العجوز.

فانحنى بنايا وضربه ضربة واحدة أسكتت قلباً حمل مجداً ودماءً على مدى أربعين عاماً. عاد بنايا ليخبر الملك، فكانت كلمات سليمان: “إرجع دماؤه عني وعن بيت أبي”.

أخيراً، جاء دور شمعي بن جيرا. استدعاه سليمان وأمره بعدم مغادرة أورشليم. “يوم تخرج وتجاوز وادي قدرون، فاعلم أنك تموت موتاً”، قال الملك. وافق شمعي وهو يخشى أن يكون الموت أقرب من ظله.

لبث شمعي في المدينة ثلاث سنوات، لكن الحياة في قفص ذهبي ثقيلة. في أحد الأيام، هرب عبدان له إلى جت، فخرج شمعي وراءهما، غير عابئ بالتحذير. كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما عبر وادي قدرون، وكان بنايا ينتظره هناك مع رجاله.

“ألم أحلف لك؟” قال سليمان لشمعي عندما أحضروه مقيداً.

انحنى شمعي، وكانت الدموع في عينيه تختلط بالتراب على وجهه. “الخطيئة التي أخطأتها إليك، فاصنع بي حسَب ما يحسن في عينيك”.

لكن سليمان هز رأسه، “كل شرورك عادت على رأسك”. وأمر بنايا فضرب شمعي، فسقط الرجل الذي كان يوماً ما من بيت شاول، آخر حلقات الماضي الدموي.

بعد ذلك، استقرت المملكة في يد سليمان، وكانت حكمته كالنهر العظيم يروي أرضاً عطشى للعدل. لكن في الليالي الهادئة، كان الملك الجديد يتذكر نظرة أبيه المحتضر، وكلمات الوداع التي حملت في طياتها ثلج الموت ونار الحياة. كان يعرف أن الدماء التي سالت كانت ضرورية كالمطر بعد القحط، لكن ظلالها ستظل ترافقه كرفقة خفية حتى نهاية أيامه.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *