الكتاب المقدس

عودة الشعب إلى كلمة الله

كان الصباح يلفح وجوههم بنسمات باردة قادمة من فوق أسوار أورشليم، حيث تجمع الشعب كالسيل المتدفق عند ساحة الهيكل. كانوا عائدين من السبي، يحملون في قلوبهم جراح الماضي، وفي عيونهم بصيص أمل لم يكتمل بعد. وقف نحميا والكاهن عزرا على منبر من خشب الأرز، صنعوه خصيصاً لهذا اليوم.

صعد عزرا إلى المنبر وهو يحمل درج التوراة بيدين مرتعشتين. كان الرجل قد شاخ في سبيل هذا اليوم، عيناه الغائرتان تحملان كل آلام الطريق من بابل إلى هنا. فتح الدرج ببطء، وكأنه يفتح صندوقاً من الذكريات المقدسة. تقدم الشعب كله، الرجال والنساء والأطفال الذين بلغوا سن الفهم، ووقفوا كشجرة واحدة تميل بأغصانها نحو ينبوع الحياة.

بدأ عزرا يقرأ، وصوته يهتز بين الحين والآخر، لكنه كان واضحاً كندى الصباح: “سْمَعْ يَسْرَائِيلْ، الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ…” لم يكن مجرد تلاوة، بل كان حواراً بين السماء والأرض. وكانت أيادي اللاويين ترتفع بين الحين والآخر لتؤكد على كلمة أو تفسر معنى.

استمرت القراءة من الفجر حتى منتصف النهار، لكن الزمن بدا متوقفاً. كانت وجوه الشعب مشدوهة، وعيونهم تفيض بالدموع. كانوا يسمعون كلام موسى لأول مرة منذ سبعين عاماً. بكى الأطفال عندما سمعوا عن برية سيناء، وانحنت رقاب الشيوخ عندما ذُكرت وصية الحب والعدل.

وقف نحميا بينهم وهو يمسك بيديه المتشبكتين، ينظر إلى هذا الجمع الذي عاد من الموت. قال لهم: “لا تحزنوا، لا تبكوا، اليوم يوم مقدس للرب”. لكن دموعه كانت تسقط على حجارة الساحة القديمة. أمرهم بأن يذهبوا ويأكلوا مما ادخروه، وأن يرسلوا نصيباً للذين لا طعام لهم.

في اليوم التالي، عاد رؤساء العائلات إلى عزرا يطلبون المزيد. أرادوا أن يفهموا الشريعة بعمق، فجلسوا معه تحت شجرة زيتون عتيقة، يتدارسون النصوص وكأنهم يتذوقون طعاماً لذيذاً للمرة الأولى. اكتشفوا فرحة عيد المظال التي نسوها خلال السبي، فانطلقوا يبنون المظال من أغصان الزيتون والنخيل، وملأوا أسطح بيوتهم وساحات المدينة بأكواخ تذكرهم برحمة الله في البرية.

لمدة سبعة أيام، تحولت أورشليم إلى مدينة من نور، تضيء فيها التوراة كشمعة في قاعة مظلمة. وكان صوت عزرا يتردد في الأزقة الضيقة، يحمل كلمات عمرها ألف عام، لكنها كانت جديدة كزهرة الربيع.

في اليوم الثامن، عندما اختتموا العيد، نظر نحميا إلى المدينة من فوق السور. رأى الأطفال يلعبون تحت المظال، والنساء يطبخن في الهواء الطلق، والرجال يقرأون من المخطوطات. شعر بأن الأحجار المبعثرة التي جمعها من الأنقاض قد عادت حية، ليس بالملاط والطين، بل بكلمة الله التي لا تموت.

كانت دموعهم في اليوم الأول قد تحولت إلى فرح، وحزنهم إلى فهم، وتراثهم المنسي أصبح حاضراً ينبض بالحياة. وعرفوا في قلوبهم أن الرب لم يتركهم، بل كان ينتظر هذه اللحظة التي يعودون فيها ليس إلى أرضهم فقط، بل إلى كلمته.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *